الجمعة 29 آب , 2025 10:17

مساع أميركية إسرائيلية لإعادة انتاج الحرب بصيغة جديدة!

المقاربات الأميركية-الإسائيلية لغزة تبنى على كاهل أهلها

تصاعدت الضغوط الدولية على الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة بفعل موقفها الرافض للتوقيع على بيان مجلس الأمن الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية من دون قيود. هذا الرفض أثار شكوكاً واسعة حول مدى جدية الولايات المتحدة في الدفع نحو إنهاء الحرب المستمرة، خاصة في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً دبلوماسياً متسارعاً للبحث عن حلول تضع حداً للأزمة.

في قلب هذه التطورات، برز اجتماع في البيت الأبيض خُصِّص لمناقشة ما بات يُعرف بـ "اليوم التالي" في قطاع غزة. الاجتماع لم يقتصر على بحث سبل إنهاء الحرب، بل ركّز بشكل أكبر على شكل الإدارة المقبلة للقطاع، وهو ما أعاد فتح النقاش حول النوايا الأميركية والإسرائيلية الحقيقية. فبينما تؤكد واشنطن استحالة عودة المقاومة الفلسطينية إلى الحكم في غزة، يظل السؤال قائماً: من سيحكم القطاع وكيف ستُدار المرحلة المقبلة؟

تدل المؤشرات على أن الأزمة الإنسانية القائمة تُستخدم كأداة للضغط السياسي. فبدلاً من تمكين المساعدات الإنسانية بشكل فوري ومنتظم، جرى السعي إلى بدائل غير عملية زادت من تعقيد الوضع. هذه المقاربة حولت الوضع الإنساني إلى جزء من معادلة أوسع تُراد من خلالها إعادة تشكيل مستقبل القطاع سياسياً واقتصادياً وأمنياً في آن واحد.

من زاوية أخرى، يبدو أن الطرح المتداول في واشنطن وتل أبيب يتجاوز فكرة وقف إطلاق النار إلى مشروع أوسع يهدف إلى فرض إدارة للقطاع لا تستند إلى التمثيل الفلسطيني بقدر ما تخضع لمعادلة أمنية واقتصادية دولية. الحديث عن ترتيبات تضع غزة تحت إشراف خارجي بغطاء أميركي وإسرائيلي يشي بمسعى لتحويلها إلى نموذج "منطقة خاصة" تُدار وفق حسابات استراتيجية واقتصادية، لا وفق اعتبارات السيادة الفلسطينية. ويُضاف إلى ذلك الطموح لربط مستقبل القطاع باستغلال ثرواته الطبيعية وموقعه الجغرافي بما يخدم مصالح إقليمية ودولية، في ما يشبه إعادة صياغة خرائط النفوذ من خلال الاقتصاد قبل السياسة.

غير أن هذا الطرح يواجه بدوره تعقيدات كبيرة. فغياب وضوح أميركي حول إمكانية تطبيق هذه الرؤية يفتح الباب أمام المراوغة الإسرائيلية المعتادة، حيث يُستخدم الحديث عن خطط سياسية كغطاء لاستمرار العمليات العسكرية. ورغم التباينات في التفاصيل، فإن الخط العام للسياسة الإسرائيلية يقوم على فرض السيطرة الكاملة على القطاع، سواء عبر ترتيبات تفاوضية أو من خلال الاحتلال المباشر، وذلك بهدف القضاء على المقاومة المسلحة ومنع أي تهديد مستقبلي.

التحركات الدبلوماسية الإقليمية، التي تزداد زخماً في الأسابيع الأخيرة، تحاول سد الفراغ عبر تقديم مقترحات لوقف إطلاق النار وربطها بخطة سياسية متكاملة. إلا أن غياب الإرادة الأميركية في تبني هذه المقترحات بشكل جاد يعكس استمرار الرهان على "إدارة الصراع" بدلاً من حله. فالولايات المتحدة، رغم الضغوط الدولية، لا تزال تفضل منح الغطاء لإسرائيل من أجل استكمال أهدافها الميدانية، حتى ولو كان الثمن ابادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني  تنقل مباشرة على الهواء.

اللافت أن كل هذه النقاشات تجري بينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت نير الابادة الجماعية والمستمرة. فبدلاً من أن يكون الملف الإنساني مدخلاً إلى تسوية سياسية، جرى تحويله إلى ورقة مساومة. وهذا يعكس الطبيعة الحقيقية للمقاربة الأميركية–الإسرائيلية: إدارة الأزمة بالحد الأدنى من الاعتراف بالحقوق، وبالحد الأقصى من الاستثمار في الفراغ السياسي والاقتصادي.

لا تبدو غزة أمام مسار ينهي الحرب بقدر ما هي أمام محاولة لإعادة إنتاجها في صيغة جديدة. أي تسوية لا تراعي البعد السيادي الفلسطيني ستظل هشة وقابلة للانفجار، حتى وإن أُلبست لبوس "المشاريع الاقتصادية". فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن تجاوز جذور الصراع لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجه بأشكال أشد تعقيداً.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور