الإثنين 26 أيار , 2025 02:36

الحرب على فلسطين: ديناميات متغيّرة وكثير من "الأقنعة"

الحرب على فلسطين: ديناميات متغيّرة وكثير من "الأقنعة"

ثمة طيف واسع من الأدبيات التي تؤطر الاحتلال الإسرائيلي للأرض المحتلة عام 1967 ضمن المشروع الأوسع للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي الساعي إلى تهويد الأرض، وفرض سيادة اليهود عليها، مع إقصاء الفلسطينيين. ومع ذلك، عندما نأخذ البنية الاستعمارية بجدية، غالبًا ما يتم التركيز على توسع المستوطنين في الأرض على حساب الكشف عن آليات الحكم الاستعماري في السيطرة على الفلسطينيين، وإدارة عملية إقصائهم، ووفق أي هياكل قوى واسراتيجيات. فالبنية الاستعمارية تنطوي، عادة، على استحواذ القوة الغازية في الأرض لإنشاء دولة المستوطنين وفرض السيادة القانونية والسياسية للمستوطنين؛ وعليه، سواء كانت أهداف الاستعمار الاستيطاني قائمة على المحو، الاستيعاب، التهجر، أو العزل في محميات لاستغلال العمالة الرخيصة، فإن إقصاء الأصلانيين لا يعتر حدثًا لحظيًا، وإنما ينطوي على عملية تقوم دولة المستوطنين بتنظيمها وإدارتها.

صدر حديثًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلي "مدار" العدد 97 من مجلة "قضايا إسرائيلية" يتركز حول التحولات العميقة في بنية الاستعمار الصهيوني لفلسطين وآلياته ومرجعياته، من خلال أدوات تحليلية متعددة تمتد من الأدب والسينما إلى البيروقراطية والقانون وتتحرى كشف الأقنعة المعرفية والثقافية المعتمّدة في هذه الحقول.

يتضمن العدد دراسة للباحث وليد حباس، تقدّم إطارًا تحليليًا لفهم كيفية إدارة إسرائيل للفلسطينيين كـ "سكان فائضين"، لا مواطنين، ضمن مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، وتتناول الدراسة أربعة عناصر مركزية: البيروقراطية، القانون، السياسات الحيوية، والتحكم المكاني، مع إبراز تحوّل الإدارة بعد 7 أكتوبر نحو نماذج أكثر عنفًا وتدخلاً.

وفي العدد مقالة هي ترجمة لمقدمة كتاب بعنواندمج في ظل الفصل: المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل في الاقتصاد النيو ليبرالي" والصادر عن معهد "فان لير" في العام 2024. تحلّل هذه المقدمة، التي كتبها ميخائيل شاليف- محرّر الكتاب- التحول في سياسات الدولة الإسرائيلية نحو دمج الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في الاقتصاد الإسرائيلي المركزي عبر الخطة الحكومية 922 (أو من خلال سياسات حكومية مختلفة)، وتربط هذا الدمج بمنطق نيو ليبرالي يهدف لتعزيز الإنتاجية (للقوى العاملة الفلسطينية) دون المساس بهيمنة الفصل المكاني والتمييز البنيوي ضدّها، وتبرز الدراسة العلاقة الجدلية بين الدمج الاقتصادي واستمرار الإقصاء السياسي والاجتماعي.

يحلّل المقال الثالث، لكاتبه آريه دوبنوف، تطرّف الصهاينة التنقيحيين "المُغالين" بين عشرينيات وأربعينيات القرن العشرين، كاشفًا عن استعاراتهم الأيديولوجية وانتقائية استراتيجياتهم، ويركّز على تحوّل "بريت هابيريونيم" من اللينينية إلى الفاشية، وعلى نشاط "بيتار" بإيطاليا، ويُظهر كيف غذّى الخيال المُغالي الميليشيات المسلّحة، عبر محاكاة رمزية لأفكار أوروبية فاشية ومناهضة للاستعمار.

كما ويتضمّن العدد مراجعة مستفيضة وضعها رائف زريق لكتاب "مصيدة التعدّدية" لميخائيل كريني (صدر عن مركز "مدار" في العام 2024). ينقد زريق أطروحة التعددية الثقافية في السياق الإسرائيلي، مبينًا كيف تُستخدم لإخفاء الطابع الاستعماري الاستيطاني للدولة، لا سيما في تعاملها مع الفلسطينيين. يبرز الكاتب أن التعددية تُستخدم لنزع السياسة من الحيز العام وإعادة إنتاج الهيمنة، ويقترح نموذج الاستعمار الاستيطاني كإطار أعمق لفهم البنية القانونية والسياسية الإسرائيلية.

مقالة إضافية لرؤى عطاونة تحلل رواية "أرض قديمة جديدة" لهرتسل كخطاب أدبي استعماري، مبيّنة كيف تُصوّر فلسطين كأرض قاحلة تنتظر إعمارها يهوديًا، مع تهميش الفلسطينيين. تربط الدراسة بين السردية الصهيونية والاستشراق الأوروبي، وتوظّف الذكاء الاصطناعي لتوليد صور (لمدن فلسطينية) تجسّد التناقض بين اليوتوبيا الصهيونية والديستوبيا الأورو- شرقية في الأدب الصهيوني.

أما سماح بصول، فتتناول في مساهمتها المعنونة بـ "الدوافع الحقيقية وراء المشاهد المخفيّة: الرقابة الإسرائيلية على الأفلام" سياسات الرقابة الإسرائيلية على السينما، موضحة كيف تُستخدم الأدوات القانونية والإدارية لقمع الأصوات الناقدة وتقييد حرية التعبير، خاصة فيما يتعلق بالأفلام التي تتناول النكبة والاحتلال. ترصد الدراسة تاريخ الرقابة وتناقضاته، وتُبرز كيف تُوظَّف السينما أحيانًا للتغطية على الاستعمار، وأحيانًا لكشفه، ما يجعلها ساحة صراع على الرواية والذاكرة.

في العدد أيضًا مساهمات أخرى تشمل مراجعة كتب، الزاوية الأرشيفية. بالإضافة إلى زاوية المكتبة من إعداد عبد القادر بدوي.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"




روزنامة المحور