لم يكن مفاجئاً أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرض تعريفات جمركية على معظم الواردات إلى الولايات المتحدة، فالرجل لطالما تباهى بشعاره "أميركا أولاً"، مصوباً سهامه نحو الدول التي اعتبرها مستفيدة أكثر مما ينبغي من علاقاتها التجارية مع واشنطن. لكن أن تمتد هذه التعريفات إلى إسرائيل، الحليف المدلل، فهذا ما كشف عن مرحلة جديدة من البراغماتية الاقتصادية التي لا تعترف بقدسية التحالفات.
فرض ترامب تعريفات بنسبة 17% على الصادرات الإسرائيلية، ضارباً بعرض الحائط كل الإجراءات التي سعت تل أبيب إلى اتخاذها مسبقاً للحفاظ على امتيازاتها التجارية. إسرائيل التي ألغت تعريفاتها على السلع الأميركية أملاً في تأمين معاملة تفضيلية، وجدت نفسها أمام واقع جديد حيث المصالح الاقتصادية لم تعد رهينة الاعتبارات السياسية.
الاقتصاد الإسرائيلي، المعتمد بشدة على التصدير، سيتلقى ضربة لا يُستهان بها. المنتجات التكنولوجية، المعدات الطبية، الأدوية، المكونات الإلكترونية، وحتى الماس المصقول، كلها تقع في قلب الصادرات الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة وستجد نفسها مشمولة بهذه التعريفات الجديدة. الشركات الإسرائيلية التي لطالما استفادت من اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، والتي كانت تؤمن لها الدخول إلى السوق الأميركية دون قيود جمركية، ستواجه الآن تحديات تنافسية لم تحسب لها حساباً.
في مواجهة هذه الضغوط، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى المسار الدبلوماسي، محاولةً إقناع الإدارة الأميركية بالتراجع عن القرار أو منحه استثناءات خاصة، لكن الحسابات الاقتصادية الصرفة التي يتبناها ترامب لم تترك مجالاً واسعاً للمناورة. اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، رغم نفوذه التقليدي، بدا عاجزاً عن تغيير المسار. مراكز القوى في الولايات المتحدة لم تعد ترى في إسرائيل مجرد امتداد استراتيجي، بل باتت تتعامل معها كأي شريك تجاري يخضع لقواعد السوق.
انعكاسات هذا القرار ستتجاوز الشركات الكبرى لتطال المشهد الاقتصادي الإسرائيلي برمته. تراجع القدرة التنافسية في السوق الأميركية سيعني انكماشاً في أرباح الشركات، تباطؤاً في النمو، وضغوطاً إضافية على سوق العمل. الصناعات التكنولوجية التي تشكل العمود الفقري
للاقتصاد الإسرائيلي ستواجه تحديات جديدة، حيث سيجد المستثمرون أنفسهم أمام معادلة أكثر تعقيداً في تقييم العوائد المحتملة لمشاريعهم.
القرار الأميركي يعكس أيضاً تحولات أعمق في شكل العلاقة بين الطرفين. إسرائيل التي اعتادت على الدعم الأمريكي غير المشروط، باتت مضطرة الآن إلى التعامل مع واشنطن بمنطق المعاملات الاقتصادية البحتة. إدارة ترامب، المعروفة بعدم اكتراثها بالاعتبارات التقليدية، وجهت رسالة واضحة بأن المصالح الأميركية لم تعد تتطابق تلقائياً مع المصالح الإسرائيلية.
رد الفعل الإسرائيلي، رغم صخب التصريحات الرسمية، لم يخرج عن نطاق محاولة احتواء الخسائر. تل أبيب تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن لن يكون في صالحها، لكنها في الوقت نفسه تعي أن نموذجها الاقتصادي معرض للاهتزاز ما لم تجد حلولاً بديلة. البحث عن أسواق جديدة للصادرات الإسرائيلية قد يكون أحد الخيارات، لكن تعويض السوق الأميركية ليس بالأمر السهل، خصوصاً أن العلاقات التجارية مع دول أخرى غالباً ما تكون مشروطة بحسابات سياسية وأمنية معقدة.
رهان إسرائيل على تجاوز هذه الأزمة لا ينفصل عن قدرة شركاتها الكبرى على إعادة تموضعها في المشهد الاقتصادي العالمي. بعض الشركات قد تلجأ إلى التصنيع الجزئي داخل الولايات المتحدة للالتفاف على التعريفات الجديدة، بينما قد تجد شركات أخرى نفسها مضطرة لإعادة التفكير في استراتيجياتها التوسعية. التأثيرات لن تكون فورية فقط، بل ستتراكم مع الوقت لتعيد تشكيل ملامح الاقتصاد الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الامتيازات التجارية غير المشروطة.
المشهد الحالي يضع إسرائيل أمام اختبار صعب. بين خطابها السياسي الذي يعكس تفوقاً مفترضاً في العلاقة مع واشنطن، وواقع اقتصادي يكشف عن هشاشة هذه الامتيازات عند أول اختبار جدي. إدارة ترامب لم تتردد في فرض تعريفات على الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، وإسرائيل لم تكن استثناءً. في عالم يعيد تشكيل قواعده الاقتصادية، لم يعد هناك مجال للمحاباة. إما أن تجد تل أبيب طريقة للتكيف مع هذه التحولات، أو أن تدفع ثمن مرحلة جديدة من العلاقات الدولية التي لا تعترف إلا بلغة المصالح.