الخميس 03 نيسان , 2025 05:24

رجال الأعمال في إدارة ترامب: من الحكم إلى التحكم؟

منذ اللحظة التي وطأت فيها قدما الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض، كان واضحاً أن الإدارة الجديدة ليست سوى امتداد لمنطق السوق. ترامب، القادم من عالم المال والعقارات، لم يخفِ يوماً قناعته بأن أصحاب رؤوس الأموال هم الأقدر على قيادة الولايات المتحدة نحو "العظمة"، دون الالتفات إلى المخاطر التي تأتي من ارتهان القرار السياسي لحسابات البورصة وتوازنات وول ستريت.

لم يكن ترامب أول رئيس أميركي يحيط نفسه برجال الأعمال، لكن لم يسبق أن تحولت الإدارة إلى مجلس إدارة تنفيذي بسلطة سياسية مطلقة كما حدث في عهده. ستيفن منوشين، المصرفي في "غولدمان ساكس"، أصبح وزير الخزانة. ويلبر روس، المستثمر الملياردير، تولى وزارة التجارة. إيلون ماسك، صاحب "تسلا" و"سبيس إكس"، مُنح دور المستشار في قضايا الفضاء والتكنولوجيا، بينما لعب جارد كوشنر، رجل العقارات وصهر ترامب، دوراً مركزياً في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء.

ولكن التأثير لم يكن مجرد وجود أفراد من عالم الأعمال في مواقع السلطة، بل في طبيعة القرارات التي أُخذت. فمنذ اليوم الأول، كانت سياسات ترامب الاقتصادية نسخة طبق الأصل من أجندة كبار المستثمرين: تخفيضات ضريبية ضخمة على الشركات، تقليص القيود البيئية، وإلغاء قوانين الحماية العمالية. في 2017، عندما تم إقرار قانون الإصلاح الضريبي، أطلق الملياردير وارين بافيت تصريحه الشهير: "لم أرَ في حياتي هدية أكبر لأصحاب رؤوس الأموال من هذا القانون".

كان إيلون ماسك أحد رجال الأعمال القلائل الذين تمتعوا بعلاقة مباشرة مع البيت الأبيض. لم يكن دوره استشارياً فقط، بل كان أحد المهندسين الفعليين لبعض سياسات ترامب، خصوصاً في مجال الصناعات المتقدمة والطاقة. دعمه العلني لبعض مبادرات الإدارة، مثل تقليل الإنفاق الحكومي على المشروعات غير المربحة، جعله حليفا غير رسمي للبيت الأبيض. لكن عندما بدأ ترامب يستعد لمعركة انتخابية جديدة، تغيرت الحسابات.

وفقاً لتقارير سياسية، أخبر ترامب دائرته المقربة أن ماسك "أصبح عبئاً" بسبب طبيعته غير المتوقعة ومواقفه المثيرة للجدل. ومع تصاعد خلافاته مع الإدارة بشأن قضايا مثل الإنفاق الفيدرالي ودور الحكومة في الاقتصاد، كان من الواضح أن الانفصال وشيك. هنا يظهر السؤال: هل كان خروج ماسك مجرد حادثة معزولة، أم أنه انعكاس لمنطق عام يحكم علاقة السلطة برأس المال؟

السياسة في إدارة ترامب لم تكن أبداً مستقلة عن حسابات المال. فعندما كانت المصالح تتطابق بين ترامب ورجال الأعمال، كانت العلاقة بين الطرفين مثالية. لكن عندما بدأت بعض الأسماء تتعارض مع الأجندة السياسية، أصبح التخلص منها ضرورة انتخابية. هذا هو جوهر العلاقة بين السلطة ورأس المال: عندما تتوافق المصالح، يصبح رجال الأعمال شركاء في الحكم، ولكن عندما تتضارب، يُقصَون بلا تردد.

ولعل المثال الأبرز على هذا التداخل بين السياسة والاقتصاد كان فضيحة "غولدمان ساكس" في عهد ترامب. فالمصرف الذي لطالما وُصف بأنه "الحكومة العميقة" كان حاضراً في أغلب قرارات الإدارة، من تعيين المسؤولين إلى رسم السياسات الاقتصادية. وحتى بعد رحيل وزير الخزانة ستيفن منوشين، بقي تأثير وول ستريت في الإدارة قوياً، حيث لعب مستثمرون كبار مثل ستيف شوارزمان، رئيس "بلاكستون"، أدواراً محورية في رسم سياسات ما بعد الجائحة.

إذا كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها كنموذج للديمقراطية الليبرالية، فإن إدارة ترامب كشفت عن حقيقة مختلفة: رأس المال ليس مجرد طرف في اللعبة، بل هو من يضع القواعد. فالقرارات لم تكن تُتخذ بناء على دراسات استراتيجية أو اعتبارات طويلة الأمد، بل وفق مصالح الممولين والداعمين.

على سبيل المثال، عندما قررت الإدارة الأميركية الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ في 2017، لم يكن السبب الحقيقي أن ترامب لا يؤمن بتغير المناخ، بل لأن جماعات الضغط النفطية كانت تضغط باتجاه هذه الخطوة. وعندما انسحب البيت الأبيض من الاتفاق النووي مع إيران، لم يكن السبب مجرد خلافات سياسية، بل لأن مستثمرين كباراً في قطاع الطاقة كانوا يرون في العقوبات فرصة ذهبية لتعزيز مكاسبهم.

ما حدث في إدارة ترامب لم يكن مجرد استغلال للنفوذ، بل كان تحولاً جذرياً في مفهوم الدولة. أصبحت السياسة الأميركية أداة بيد المستثمرين، ولم يعد السؤال "ما هو الأفضل لأميركا؟"، بل "ما هو الأفضل للأسواق؟". وإذا كان خروج إيلون ماسك مجرد تفصيل صغير في المشهد، فإنه يؤكد قاعدة واحدة: في واشنطن، لا شيء يدوم سوى المصالح. وعندما تصبح المصالح عبئاً، فإن من كانوا في قلب السلطة يجدون أنفسهم خارجها.


الكاتب:

مريم السبلاني

-كاتبة في موقع الخنادق.

-ماجستير علوم سياسية.




روزنامة المحور