يكفي استعراض موقف وزارة الخارجية السورية، لكي يتيقن أي شخص من الموقف الحقيقي لأحمد الشرع "الجولاني"، تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على البلاد. فهذا البيان خلا حتى من عبارة "الاحتفاظ بحق الرد في المكان والوقت المناسبين"، التي كان البعض يتندّر عليها من النظام السابق، بينما وصف العدوان الإسرائيلي بأنه تصعيداً "غير مبرر"! داعياً المجتمع الدولي الذي سكت ولا يزال عن جرائم إسرائيل في سوريا وفلسطين ولبنان، للضغط "على إسرائيل لوقف عدوانها والالتزام بالقانون الدولي".
أما في تفاصيل العدوان، فقد شنّ الكيان المؤقت سلسلة من الاعتداءات على مرحلتين، الأولى استهدف فيها 5 مناطق مختلفة من البلاد خلال 30 دقيقة، مما أسفر عن تدمير مطار حماة العسكري بشكل كبير (تم استهداف مدارج الطائرات وبرج المراقبة ومستودعات الأسلحة وحظائر الطائرات بـ 10 غارات)، ووقوع أضرار في مطار التيفور العسكري وفي محيط مبنى البحوث العلمية بحي مساكن برزة في دمشق وفي مواقع عسكرية أخرى، وإصابة عشرات المدنيين وعسكريي النظام. أما الثانية فكانت من خلال قصف شنّته إسرائيل في جنوبي سوريا عقب توغل لقواتها في المنطقة.
وقد أفادت محافظة درعا في بيان لها عن ارتقاء 9 مدنيين وإصابة آخرين، في حصيلة قصف "الاحتلال الإسرائيلي على حرش سد الجبيلية الواقع بين مدينة درعا وبلدة تسيل غرب درعا"، كاشفةً بأن القصف جاء عقب توغل إسرائيلي في المنطقة يصل "لأول مرة إلى هذا العمق". وتزامنت عملية التوغل مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع في سماء محافظة القنيطرة المجاورة وريف درعا الغربي.
لكن هذا التوغل وعلى عكس موقف السلطات السورية، قوبل بموقف شعبي لافت، لاقى تأييد العديد من الجهات والقوى المقاومة في المنطقة وفي مقدمتهم حركة حماس التي وصفته بالشجاع. فقد حصلت اشتباكات عنيفة بين جهات شعبية في تلك المنطقة مع القوات الإسرائيلية المتوغلة في ريف درعا، ما أدى الى وقوع خسائر في صفوف قوات الاحتلال وهو الذي أجبرها على التراجع.
أهداف العدوان، وكاتس يهدّد الجولاني
أما أهداف العدوان وخاصةً في مرحلته الأولى، فقد أجمعت وسائل الإعلام الإسرائيلية على أنه لمنع تركيا من إنشاء قواعد عسكرية لها في سوريا، في مطاري حماه والتيفور.
أما وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فقد هدّد أحمد الشرع "الجولاني" من مواجهة عواقب وخيمة إذا هدد أمن إسرائيل. وقال كاتس في بيانه "أحذر الزعيم السوري الجولاني: إذا سمحت للقوات المعادية بدخول سوريا وتهديد مصالح الأمن الإسرائيلي، ستدفع ثمنا باهظا"، مضيفاً بأن الضربات الجوية على حماة ودمشق هي "رسالة واضحة وتحذير للمستقبل.. لن نسمح بأي ضرر يلحق بأمن دولة إسرائيل". لكن اللافت هو عدم تحديد كاتس مَن يقصد بالقوات المعادية التي حذر الجولاني من السماح بدخولها، كما أصرّ على مخاطبة الشرع بالجولاني وليس باسمه الحقيقي.
المقاومة الشعبية هي الحلّ
كلّ ما حصل في هذه الساعات، يؤكّد حقيقة واحدة لا لبس فيها، هي أن الغطرسة الإسرائيلية لا يردعها ولا يوقفها إلا القوّة المقاومة ولو بعد حين. أمّا منطق الاستسلام فهو هروب إلى أمان وهمي ومؤقت ومذلّ.
وعليه سيؤكّد الشعب السوري، رغم التضحيات التي سيتكبّدها، بأن خياره الثابت والوحيد هو المقاومة الشعبية.
أما سلطة الشرع فيبدو فعلاً بأنها لا تريد القيام بأي خطوة لتواجه إسرائيل، لذا عليها الحذر مما قد يحصل معها مستقبلاً، من شيء شبيه لما عبّر عنه ذات مرة ونستون تشرشل حينما خاطب نيڤيل تشامبرلين رئيس الوزراء البريطاني قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية بأقل من سنة، عندما اختار تشامبرلين تجنب الحرب من وجهة نظره، فوقع مع زعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر على اتفاقية ميونيخ عام 1938: "لقد خُيرتَ بين الحرب والعار، فاخترتَ العار وستأتيك الحرب".