السبت 29 تشرين ثاني , 2025 01:09

الجنوب قلب لبنان يا حضرة البابا

البابا لاوون الرابع عشر يزور لبنان غداً

غدًا سيشهد لبنان حدثًا استثنائيًا بزيارة البابا لاوون الرابع عشر، تحت شعار "طوبى لفاعلي السلام". زيارة تحمل رمزية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة حقيقية، فكيف لمن يحمل هذا المنصب أن يستثني الجنوب من زيارته؟ الجنوب، أصل لبنان ورافعته، الذي لم يبق لبنان قائمًا لولا صموده وتضحيات شبانه ونسائه، لكنه ورغم كل هذا لا يظهر في جدول زيارة البابا نظراً "لضيق الوقت"!.

الجنوب: الأرض التي صنعت السلام

حضرة البابا، هل من المنطق أن تتحدث عن السلام وتستثني الجنوب؟ الجنوب الذي شهد أعنف الاعتداءات، حيث قُصفت حقوله وبساتينه وبيوته، وسقط شبانه بأعتى الأسلحة الإسرائيلية المحظورة، حتى لم يبقَ منهم إلا بضع أشلاء لا لون لها بسبب الفوسفور والمحرمات الأخرى، وانتشلت أجسادٌ اختلط بعضها ببعض لم يعرف أصحابها بسبب فظائع العدو ووحشيته. هؤلاء الشباب، الذين لم يعرفوا الخوف، وظلوا صامدين في العراء، تحت أعين المسيرات والصواريخ، ليحفظوا سلام لبنان كله.

هؤلاء هم أولاد لبنان الحقيقيون، لم يكونوا يوماً من دعاة الحرب ولم يسعوا للفت الأنظار، بل قدّموا دماءهم وأرواحهم فداءً للوطن، دون انتظار جزاء أو رد جميل -علماً أن دولتنا بادرتهم بمحاولة نزع سلاحهم وإغلاق مؤسساتهم خدمة لعدو لبنان ومن قتلهم. نعم إن زيارة الجنوب واجبة على كل من أراد معرفة الوجه الحقيقي للبنان، الوجه الذي لم يعرف الكذب أو النفاق، الوجه الذي حفظ الحق والكرامة حتى في أحلك الظروف.

لماذا لا تأتي لترى المعجزات بعينيك؟ لترى شبانًا في أول أعمارهم، حرسوا الوطن بينما ساسته نائمون، لترى تضحيات قُدّمت بكل صدق وإخلاص، لتضمن للجنوب ولكل لبنان حرية وأمانًا لم نحصل عليه إلا بالدم؟ هل يمكنك الحديث عن السلام إذاً من دون أن تمر على الجنوب عاصمة لبنان الفعلية؟

الجنوب أرض الذين لم يرفّ جفنهم خوفًا ولا ضعفًا، هؤلاء الذين قدموا أنفسهم قرابيناً ليعيش كل لبنان. لو أردت حقًا أن تعرف من هم "فاعلو السلام"، كان عليك الجلوس معهم، الاستماع لهم، وفهم معنى التضحية والحرية.

حضرة البابا، زيارتكم تحمل راية السلام، لكن كيف يمكن أن نتصور السلام دون الاعتراف بالتضحيات الجسام؟ ودو إدانة صانعي الحروب ومعادي اسلام؟ لأن الحديث عن السلام دون المرور بهذه الأرض هو مجرد كلام.

رسالة حزب الله

الرسالة التي بعثها حزب الله خير دليل على حفظ هذا المجتمع لبلده حيث عبّر عن موقفه بالقول أن "لبنان ليس مجرد وطن، بل رسالة حضارية، تربط بين المسيحيين والمسلمين، وبين مختلف الطوائف والاتجاهات في العالم". وأن حقوق الإنسان لا تنحصر بالفرد وحده، بل يجب لجميع الشعوب الحصول عليها. ولهذا فإن أول من قام لنصرة غزة كان حزب الله اللبناني.

وكذلك لفتت الرسالة أن الاحتلال الإسرائيلي ما زال يهدد لبنان وأهله، وأن العدوان مستمر بدعم من دول كبرى. وهذا ما يجعل زيارة الجنوب ضرورة أساسية لفهم الواقع الحقيقي. كما تؤكد الرسالة تمسك لبنان بالعيش المشترك، وحماية سيادته الوطنية، والوقوف بوجه أي عدوان أو تدخل خارجي.

حضرة البابا، عندما تأتي إلى لبنان -الذي اجتزأت أهم وجهة فيه-، تذكر أنه بلد فيه نقاط وأراض محتلة، ويُحاصر الاحتلال قراره بحيث لا يمكنه العيش في أرضع بل حتى التنقيب عن ثرواته والاستفادة منها، وأن أرضه لم تُترك لأبنائه حرةً إلا بعد دماء وتضحيات لا تُعد ولا تُحصى. الجنوب، الذي لم يُدرج في جدول زيارتك، يحمل في طياته تاريخًا مؤلمًا وذكرى لا تُمحى -رغم أن أهله هم أكثر من يحب الحياة ويعرفها-. وأن هناك قانا -التي تملك مكانة خاصة عند المسيحيين لما تحمله من دلالات-، التي ارتكب فيها الاحتلال مذبحة كبرى عام 2006، حيث سقط الأبرياء الذين احتموا بمبنى القوات الدولية ضحايا، في دليل إلى أن هذا الاحتلال لا يحترم أي قوانين دولية أو واجهات ولذلك على الجميع لجمه، لأن الحديث عن السلام في ظل وجوده غير ممكن.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور