تتناول هذه الورقة البحثية مفهوم تعديل السلوك المرتبط باستخدام الوسائل التكنولوجية، وخصوصًا الهاتف المحمول، بوصفه أبرز أدوات الاختراق في الحياة المعاصرة. وتتمثل الرؤية المركزية في الوصول إلى نمط معيّن من العيش "الأكثر وعيًا"، لا يقوم على منع التكنولوجيا بالكامل، بل على ترشيد استخدامها وضبط علاقة الفرد معها، بما يتناسب مع وعي أمني وذهني ونفسي واجتماعي متكامل. الفكرة الأساسية هنا ليست عودة إلى حياة بدائية، ولا رفضًا للتطور، بل محاولة لتجاوز حالة الارتهان السلوكي لها، وتحويل الإنسان إلى طرف فاعل يسيطر على التقنية لا أسيرًا لها.
لقد كشفت تجارب عام 2024 في مجتمعات المقاومة حجم التسرب المعلوماتي الذي يحدث من الأجهزة الرقمية التي نستخدمها دائمًا، بما فيها الهواتف الذكية والكاميرات وشبكات الاتصال والتطبيقات. المشكلة أن الجميع يعرف المخاطر ويتحدث عنها، لكن قلة قليلة لديها الاستعداد الحقيقي لتغيير سلوكها التواصلي تجاه هذه الأجهزة، وهذه المفارقة هي لبّ الإشكالية التي تناقشها الورقة.
ترتكز الدراسة على الإطار النظري لعلم النفس والسلوك، وعلى نماذج التحول الإدراكي، ومنها نظرية المراحل الخمس للتغيير التي تبيّن أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر الانتقال من حالة عدم الوعي بالمشكلة، إلى الاعتراف بها، ثم الاستعداد لتغييرها، وصولًا إلى تنفيذ السلوك الجديد والمحافظة عليه حتى يصير عادة ثابتة. وتستفيد الورقة أيضًا من نظريات التعلم الاجتماعي التي توضح تأثير النمذجة والسلوك المقلّد، إذ يكتسب الناس سلوكيات جديدة من خلال رؤية آخرين يمارسونها.
وتتوقف الورقة عند أهمية التغيّر الإدراكي، بوصفه مقدمة أساسية للتغيّر السلوكي، إذ لا يمكن تعديل السلوك دون تغيير القناعات الداخلية التي توجهه. يمكن أن يقع هذا التغيير نتيجة تجربة شخصية صادمة، أو مراجعة للقيم والمعنى، أو نتيجة تدريب نفسي معرفي متدرج. فالشخص الذي يقتنع تمامًا بخطر الهاتف، سيتعامل معه بطريقة مختلفة تمامًا عن شخص يعرف الخطر "لكن لا يتصرف على أساسه".
تنتقل الورقة لاحقًا إلى مناقشة عوائق التغيير، وعلى رأسها ضغط البيئة الاجتماعية التي تفرض على الفرد أن يكون متاحًا ومتصلًا دائمًا. فإذا كان المجتمع من حوله يتعامل بنمط الاتصال الفوري، يصبح الانسحاب منه سلوكًا غير مفهوم، وقد يُفهَم على أنه عزلة، أو غرابة، أو ضعف تواصل، أو فشل وظيفي. أحد الأمثلة الواضحة لذلك هو تجربة مؤسسة تربوية منعت إدخال الهاتف، فتحايل البعض، وسخر آخرون، وخلق آخرون حججًا نفسية وعائلية ليحتفظوا بحق حمله، مما يؤكد أن المشكلة ليست تقنية بل ذهنية وسلوكية.
وتعرض الورقة أيضًا التأثير النفسي والسلوكي للإدمان الرقمي، بحيث يتحول الهاتف إلى امتداد عضوي للجسد؛ يصبح غيابه لحظة قلق، ويصبح حضوره مصدرًا للطمأنينة. هذا الارتباط قد يكون نفسيًا أو عصبيًا أو إدراكيًا، وفي الحالات الشديدة يشبه الإدمان الكيميائي، بما يحمله من انسحاب وتوتر وقلق.
أيضًا، تسلط الورقة الضوء على العلاقة بين المسؤولية والوازع الديني والضبط السلوكي. فالبعض يتصرف وكأن حمل الهاتف "حق فردي" لا صلة له بالمصلحة الجماعية، بينما هو في الواقع قد يكون سببًا في تسريب معلومات تهدد حياة المجموعة. وهنا يظهر الفرق بين من يرى أن مسؤوليته فردية فقط، ومن يعي أن السلوك التواصلي جزء من العقد الأخلاقي تجاه المجتمع.
وتقترح الورقة منهجًا عمليًا لتغيير السلوك، يبدأ بخلق "تفكير جماعي نسقي"، بحيث يدرك عدد من الأفراد المخاطر، ويتبنون معا سلوكًا منضبطًا، فيصبح نموذجًا قابلًا للتقليد بدافع الوعي لا بدافع الإكراه. كما تشدد على تكوين مساحات اتصال آمنة "أمكنة نظيفة" تكون خالية من الأجهزة، لضمان وجود مسارات تواصل شفهي مباشر غير مخترق.
وتناقش الورقة أيضًا هيمنة المقولات الشعبية، مثل: "وقفت عليّي؟" و"العدو يعرف كل شيء"، إذ تُستخدم هذه العبارات لتبرير الاستسهال واللامبالاة، بدلاً من تحفيز الحسّ الاحترازي. فالقول بأن "العدو يعرف كل شيء"ثثث يخلق نوعًا من الاستسلام النفسي، فيتحول الإنسان من فاعل مسؤول إلى كائن سلبي يرى أن جهده غير مؤثر، وأن الخطر حاصل حتمًا. لكن التفكير الصحيح هو العكس: طالما أن العدو يعرف الكثير، فإن مسؤوليتي هي تقليل معرفته، وتشويش بنيته المعلوماتية، لا تغذيتها بمزيد من البيانات.
كما تربط الورقة بين التواكل الديني وبين السلوك اللاواعي، حين يترك البعض الاحتياط الأمني بحجة الإيمان بالقدر، بينما الفهم الديني الأصيل يدعو للأخذ بالأسباب والتحذير من التهور. بالتالي، المعركة هنا ليست فقط مع الهاتف، بل مع مفهوم خاطئ للتدين والسلوك الأخلاقي.
وتتناول الورقة أيضًا أثر "عدوى السلوك"، حيث يتأثر البعض بسلوكيات مخالفة لمجرد أنها تُستعرض بثقة. فالمراهق الذي يرى آخر يخفي هاتفه في مكان محظور، قد يجد في هذا التحدي مصدرًا للهوية الشخصية، ويحاول تقليده. ويتكرر الأمر عند من يجد لذة في الاستعراض والتفرّد الخبري والتوثيق اللحظي، مدفوعًا برغبة داخلية في الانتماء إلى حدث أو صناعة صورة أو الاحتفاظ بلقطات كذكرى.
وفي الخلاصة، تؤكد الورقة أن الهدف ليس الدعوة إلى مجتمع خال من التكنولوجيا، بل إلى مجتمع يمتلك الوعي الكافي لاستخدامها دون أن يقع أسيرها، بحيث يتحول الهاتف من سيد إلى أداة، ويصبح الإنسان واعيًا لما يمكن لهذه الأجهزة أن تحققه في الخفاء، وكيف يمكن لتساهل بسيط أو تصوير عابر أو اتصال لحظي أن يفتح ثغرة عميقة في جدار الأمان الاجتماعي.
لتحميل الدراسة من هنا