ضاعف العدو الإسرائيلي خلال الأسابيع الماضية من وتيرة التهديدات الموجهة إلى لبنان، عبر خطاب سياسي وإعلامي يوحي بأن لحظة العودة إلى الحرب باتت مسألة توقيت لا أكثر. ورغم استمرار العمليات العدوانية اليومية التي تطال الأراضي اللبنانية، يتعمد الخطاب الإسرائيلي الإيحاء بأن ما يرتكبه من اعتداءات ليس سوى عمليات تمهيدية لما يسمى "الحرب المقبلة". وقد أدّى ذلك إلى إدخال مصطلحات جديدة مثل "أيام قتالية"، "عمليات مركزة ومحدودة"، و"استهدافات استباقية"، في محاولة لتثبيت صورة ذهنية لدى جمهوره بأن الحرب مقبلة، وأن البيئة السياسية والشعبية مطالبة بالتأهب لها.
اعتمد هذا التصعيد على ثلاث قنوات أساسية: تصريحات مباشرة من مسؤولين سياسيين وعسكريين، تغطيات إخبارية مُوجهة، ومقالات تحليلية داخل الإعلام العبري تهدف إلى ترسيخ قناعة بأن حزب الله يعيد بناء قوته بسرعة، وأن هذا "الخطر المتعاظم" يفرض على إسرائيل التحرك قبل أن يستعيد الحزب كامل قدراته العسكرية. هذا النمط ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر انتظامًا وتتابعًا، بما يعكس منهجًا منظمًا لإدارة الرأي العام الداخلي والخارجي.
على المستوى الداخلي، يسعى العدو عبر لغة التخويف إلى إعادة تعبئة المجتمع الإسرائيلي حول فكرة "الخطر الوجودي". فالخطاب الإسرائيلي يردد بلا توقف أن حزب الله يستعيد عافيته، وأنه يرمّم ترسانته، وأن إيران تدفعه نحو استعدادات قتالية أكبر. هذا الاستخدام المكثف للإيحاءات المخيفة ليس موجهًا للردع بقدر ما هو مُصمم لخلق صورة ذهنية موحدة عند الجمهور الإسرائيلي بأن الحرب ليست خيارًا بل ضرورة.
وفي المقابل، وعلى المستوى الخارجي، يعمد الخطاب إلى ترهيب اللبنانيين عبر التحذير من أن أي رفض لبناني لفرض الشروط الإسرائيلية سيؤدي إلى استهداف واسع للبنان، "في كل منطقة وبلا استثناء". ويجري تحميل الدولة اللبنانية والجيش اللبناني تحديدًا مسؤوليات تتجاوز قدرتهما، من خلال الادعاء بأن الجيش "لم يقم بما يكفي لنزع سلاح حزب الله"، وأنه "غير متعاون" أو "عاجز"، وهذه اللغة تهدف إلى الضغط السياسي على الدولة اللبنانية، ودفعها للصدام مع المقاومة أو على الأقل لتبنّي خطاب أقل مواجهة تجاه إسرائيل.
ويمكن فهم جزء كبير من هذا الأسلوب في سياق حاجة إسرائيل الدائمة لوجود "عدو دائم" يحافظ على تماسك الرواية الصهيونية، ويمنح السياسات العسكرية شرعية داخلية. فعلى المستوى النفسي، من الضروري لإسرائيل أن يبقى جمهورها في حالة تأهب وتبرير مستمر، بحيث تُقبل التضحيات على أنها ثمن ضروري للبقاء.
ومع تصاعد نبرة التهديد، تتزايد أيضًا وتيرة الخطابات التبريرية، حيث يكرر الإعلام الإسرائيلي أن إعادة بناء قدرات حزب الله "سريعة وخطيرة"، وأن لبنان عاجز عن ضبط الوضع، وأن "الأيام القتالية" ضرورية لإزالة هذا التهديد. اللافت هنا أن الخطاب الإسرائيلي أصبح أكثر تفسيرًا، وأكثر استطرادًا، وهو أمر غير معتاد عادة في البيانات العسكرية، ما يشير إلى أن هناك سعياً مقصودًا لإقناع الجمهور بأن الحرب المقبلة ضرورية ولا مفر منها.
يترافق ذلك مع تحضير نفسي منظم للجمهور الإسرائيلي، ليس فقط عبر الخطابات، بل عبر نشر تعليمات عملية يومية: تجهيز الملاجئ، التزود بالماء والطعام، حمل الأدوية الأساسية، الاستعداد للإنذارات… وكلها خطوات تهدف إلى تقليل الصدمات النفسية المحتملة وتعزيز قدرة الجمهور على تحمل السيناريوهات العسكرية المقبلة.
ومن السمات البارزة لهذا الخطاب أيضًا تضخيم الإنجازات العسكرية الإسرائيلية، والتنويه المستمر بالعمليات التي "قضى فيها الجيش على عشرات من مقاتلي حزب الله"، والمناورات "الواسعة غير المسبوقة" التي تجريها القوات الشمالية. مقابل ذلك، يتم التعتيم على الخسائر الحقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي، سواء في الأرواح أو في الأثر النفسي، ويجري حظر تداول أي محتوى يظهر هشاشة الجبهة الداخلية أو أثر الحرب على مستوطني الشمال الإسرائيلي.
ويتداخل هذا النهج مع استراتيجية قديمة/متجددة تتمثل في "شيطنة المقاومة"، عبر وصف مقاتليها بـ"الإرهابيين"، وتصوير نشاطها كفعل عدواني غير مشروع، في مقابل تصوير الجيش الإسرائيلي بوصفه يمارس "دفاعًا مشروعًا عن النفس". هذه المقاربة تشكل حجر أساس في الخطاب الصهيوني منذ عقود، وتهدف إلى قلب الوقائع: الضحية تتحول إلى مجرم، والمحتل يتحول إلى مدافع.
من جهة أخرى، يستخدم العدو أسلوب "التشريط"، أي وضع شروط مقرونة بالتهديد: إذا لم تتراجع المقاومة، سيتم توسيع العمليات. إذا لم يتحرك الجيش اللبناني، ستقوم إسرائيل بالمهمة. وإذا لم تُفرض تسوية، ستقصف إسرائيل كل لبنان. هذه اللغة، بالإضافة إلى تحديد "مهل زمنية" مثل نهاية العام وبداية العام الجديد، تهدف إلى خلق حالة ضغط سياسي ونفسي مكثف حول لبنان وحول المقاومة.
في الخلاصة، فإن خطاب التهديد الإسرائيلي ليس مجرد تعبير إعلامي، بل هو جزء من منظومة حرب نفسية مكملة للحرب الميدانية. ويهدف هذا الخطاب إلى حشد الداخل الإسرائيلي، وترهيب المجتمع اللبناني، وإضعاف ثقة اللبنانيين بدولتهم وجيشهم ومقاومتهم، ودفعهم نحو حالة استسلام تدريجي تقود إلى القبول بخيارات التسوية والتطبيع وفرض معادلة جديدة على الحدود. غير أن هذا الخطاب، رغم قوته الإعلامية، يبقى مرهونًا بمدى قدرة إسرائيل على تحمل كلفة عسكرية جديدة وبمدى استجابة جبهتها الداخلية لأي مواجهة طويلة.