يتناول المقال أدناه من إصدار معهد الأمن القومي الإسرائيلي، وترجمة موقع الخنادق، الزيارة التاريخية لولي العهد السعودي إلى واشنطن باعتبارها محطة تحول استراتيجية في العلاقات الأمريكية–السعودية، ويشرح كيف سعت إدارة ترامب إلى تثبيت السعودية كحليف رئيس في سياق التنافس العالمي مع الصين وروسيا. ويعرض المقال كيف استفادت الرياض من ثقلها الإقليمي للحصول على ضمانات أمنية، وصفقات سلاح متقدمة، وتسهيلات في مجال التقنية والذكاء الاصطناعي، ومحاولة التقدم نحو مشروع نووي مدني.
كما يناقش المقال رؤية واشنطن لهندسة إقليمية جديدة قائمة على تعزيز التطبيع العربي–الإسرائيلي وتوسيع اتفاقيات إبراهيم، وربط ذلك بترتيبات أمنية واقتصادية، ونقل جزء من العبء الأمني الأمريكي إلى الشركاء الإقليميين. ويشرح المقال أيضًا كيف تُوظّف الولايات المتحدة ملفات الدفاع والتخصيب النووي كورقة ضغط لدفع السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل وربطه بخطوات مرتبطة بالمسار الفلسطيني.
ويستعرض المقال المكاسب السعودية على مستوى الصورة العامة في الغرب وشرعنة قيادة محمد بن سلمان، في مقابل عدم تحقيق اختراق نهائي في اتفاقية الدفاع أو تخصيب اليورانيوم محليًا. ويشرح المقال كذلك وجهة النظر الإسرائيلية التي ترى في التحالف الأمريكي–السعودي فرصة لكسر الحاجز السياسي مع الرياض، وفي الوقت نفسه خطرًا على تفوقها العسكري النوعي، وعلى انفرادها بالميزة النووية المدنية في المنطقة.
وفي الخلاصة، يشير المقال إلى أن الزيارة ليست حدثًا سعوديًا فحسب، بل جزء من تحول أوسع في ميزان القوة الإقليمي، ويطرح سؤالًا محوريًا حول قدرة إسرائيل على التكيف مع المرحلة الجديدة، وتجنب الوقوف خارج مسار تشكيل النظام الإقليمي الذي تُرسم معالمه بين واشنطن والرياض.
النص المترجم للمقال
ما هي تداعيات زيارة ولي العهد السعودي التاريخية إلى واشنطن، على المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وما هي المخاطر والفرص التي تخلقها بالنسبة لإسرائيل؟
عكست زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن - والتي كان تصنيف المملكة العربية السعودية "حليفًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو" في صميمها - سعيًا أمريكيًا لحصر الرياض بشكل أقوى في المعسكر الأمريكي في عصر التنافس بين القوى العظمى. بالنسبة للولايات المتحدة، يعني هذا تعميق الإطار الأمني مع المملكة العربية السعودية، وضمان استثمارات كبيرة والوصول إلى التقنيات المتقدمة، ودمج هذه الخطوة في هيكل إقليمي قائم على اتفاقيات إبراهيم والتطبيع التدريجي مع إسرائيل. سيشمل هذا المسار أيضًا مسارًا لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بالنسبة للمملكة العربية السعودية، استفادت الزيارة من ثقلها الإقليمي مقابل ضمانات أمنية، والوصول إلى أسلحة وتقنيات متطورة، والتقدم نحو مشروع نووي مدني - مع الحفاظ على مساحة للمناورة في مواجهة الصين وروسيا.
من وجهة نظر إسرائيل، يُمثل هذا التطور ترسيخًا للانخراط الأمريكي طويل الأمد في المنطقة، وقد يُمكّن من تحقيق اختراق مع المملكة العربية السعودية. في الوقت نفسه، يُشكل خطرًا على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ويُرسي سابقة إقليمية للقدرة النووية المدنية في الخليج، ويسمح بصياغة ترتيبات أمريكية سعودية قد تتجاوز إسرائيل. يجب على إسرائيل تعميق حوارها مع واشنطن (والرياض)، وتحديد الخطوط الحمراء، إلى جانب مرونة في السياسات، والتأثير على الجانب الفلسطيني في أي عملية تطبيع بين إسرائيل والسعودية.
شكلت زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى واشنطن مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية السعودية. وشملت التفاهمات المعلنة تعزيزًا كبيرًا للتعاون الأمني بين البلدين، وموافقة الرئيس المبدئية على بيع طائرات إف-35 للسعودية، واستثمارات سعودية في الولايات المتحدة قد تصل إلى تريليون دولار، ومباحثات متقدمة، وإن لم تُستكمل بعد، حول مشروع نووي مدني. وسعى البلدان خلال الزيارة إلى تحقيق أهداف استراتيجية سيُشكل تحقيقها مستقبل الشرق الأوسط بشكل مباشر في السنوات القادمة.
من وجهة نظر إدارة ترامب
ترسيخ المملكة العربية السعودية في المعسكر الأمريكي وسط منافسة القوى العظمى
في السنوات الأخيرة، عززت المملكة العربية السعودية علاقاتها الاقتصادية وعلاقات الطاقة مع الصين وروسيا، بدءًا من اتفاقيات النفط في إطار أوبك+ وصولًا إلى التعاون في التكنولوجيا والبنية التحتية. من وجهة نظر واشنطن، تهدف الجهود المبذولة لإثبات مكانة المملكة العربية السعودية كحليف استراتيجي إلى الحد من خطر "ميل الرياض شرقًا" وضمان بقاء توجهها الاستراتيجي متوافقًا مع الولايات المتحدة.
تعزيز الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية
خلال الاجتماع، وُعِدَ باستثمارات سعودية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، بما في ذلك في مجالي الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وتحرص إدارة ترامب على مساعدة المملكة العربية السعودية على تحقيق طموحها في ترسيخ مكانتها كمركز للابتكار في المنطقة (في إطار رؤية السعودية 2030)، وترسيخ هذا الطموح من خلال استثمارات سعودية ضخمة في البنية التحتية الأمريكية، والطاقة، والتكنولوجيا الفائقة، والصناعات المتقدمة. في الوقت نفسه، تتوقع واشنطن من المملكة العربية السعودية الالتزام ببعض اللوائح الأمريكية المتعلقة بالتقنيات الحساسة، لا سيما في تعاملاتها مع الصين.
تعزيز رؤية إدارة ترامب لهندسة إقليمية جديدة
ترى الإدارة الأمريكية أن وقف إطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن الأحياء المحتجزين لدى حماس يمثلان خطوة أولى في خطة لتوسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم، ودمج المملكة العربية السعودية في إطار أمني واقتصادي إلى جانب إسرائيل، ونقل جزء كبير من عبء الاستقرار الإقليمي إلى الشركاء الإقليميين أنفسهم. وفي ظل هذه الخلفية، ناقش الرئيس وولي العهد تعزيز التطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل. وأكد الرئيس ترامب على التطبيع كرافعة لهيكلية إقليمية جديدة قائمة على التعاون الاقتصادي والأمني. وقدم بن سلمان مطالب المملكة العربية السعودية الأولية لتحقيق هذا الهدف، وأبرزها الضمانات الأمنية الأمريكية، وحزمة من الأسلحة المتطورة، وموافقة إسرائيل على خطة "لا رجعة فيها" لإقامة دولة فلسطينية.
من منظور المملكة العربية السعودية
إعادة تأهيل صورة المملكة العربية السعودية
بالنسبة لمحمد بن سلمان، مثّلت الزيارة نقطة تحول مهمة في تحسين صورة المملكة في الولايات المتحدة بشكل خاص وفي الغرب بشكل عام. ويرى أن نتائج الزيارة تشهد على دور المملكة العربية السعودية كلاعب محوري في النظامين الإقليمي والدولي. فالمراسم الكاملة في البيت الأبيض - بما في ذلك عشاء رسمي يُخصص عادةً لرؤساء الدول - والاجتماعات المطولة، واعتراف الرئيس ترامب العلني بولي العهد بن سلمان كقائد شرعي لا جدال فيه للمملكة، كلها عكست تحولاً كبيراً عن الماضي القريب، لا سيما خلال إدارة بايدن عندما كانت صورة ولي العهد العامة في الولايات المتحدة عائقاً رئيسياً أمام تحسين العلاقات.
تأمين التزام الولايات المتحدة ببيع الأسلحة المتقدمة
إذا تم الوفاء بالالتزام الأمريكي، فإن بيع الأسلحة المتطورة - بما في ذلك طائرات إف-35، وهي من أكثر الطائرات تطورًا في سلاح الجو الأمريكي - سيمثل تطورًا تاريخيًا، حيث ستكون المملكة العربية السعودية أول دولة عربية تتسلم هذه الطائرات. يُذكر أن الإمارات العربية المتحدة تلقت وعدًا مماثلًا عند انضمامها إلى اتفاقيات إبراهيم، والتي لم تتحقق في النهاية. حتى لو أرجأ الكونغرس الصفقة، فإن الإعلان بحد ذاته يُشير إلى أن واشنطن تنظر إلى الرياض كشريك أمني مركزي، وأن ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط يميل لصالحها.
من الإنجازات الأخرى للرياض رفع القيود الأمريكية على تصدير الرقاقات المتطورة إلى المملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز تكنولوجي عالمي، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لاستخدامها في مشاريع طموحة مثل مدينة "نيوم". وتعكس موافقة واشنطن على هذا القرار، رغم الوجود القوي للشركات الصينية في المملكة، ثقة أمريكية استثنائية بالسعوديين، مع أن هذه الخطوة ربما كانت مصحوبة بشروط، مثل زيادة الرقابة و/أو فرض قيود على النشاط الصيني في المملكة.
علاوةً على ذلك، منحت واشنطن المملكة العربية السعودية صفة "حليف رئيس من خارج حلف شمال الأطلسي". ورغم أن هذا التكريم رمزيٌّ إلى حدٍّ كبير - وهو ما تحظى به بالفعل الكويت والبحرين وقطر - إلا أنه يوفر مزايا في مجال المشتريات العسكرية، ويُشير إلى العالم بأن الرياض تُعاد إلى مكانتها كشريكٍ رئيس في الهيكل الأمني الأمريكي.
وإلى جانب هذه الإنجازات، لم يتحقق الهدفان الأكثر أهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية:
اتفاقية دفاع رسمية ملزمة
لم تحصل الرياض بعد على موافقة أمريكية على اتفاقية دفاع رسمية كهذه، والمُصممة لتكون بمثابة إطار دفاعي مقابل التزام سعودي بالتنسيق السياسي والإقليمي. على مدار عامين، سعت السعودية إلى إطار عمل يتضمن التزامًا أمريكيًا صريحًا بالدفاع عن المملكة في حال تعرضها لهجوم. (منحت واشنطن قطر وثيقة مماثلة - أمر رئاسي - عقب الغارة الإسرائيلية على الدوحة، لكنها لم تُعمّم هذه الصيغة على الرياض).
اتفاقية لتخصيب اليورانيوم في السعودية
الهدف الثاني الذي لا يزال بعيد المنال بالنسبة للسعودية هو "اتفاقية 123" التي تسمح بإنشاء بنية تحتية نووية مدنية تحت إشراف أمريكي. ورغم التقدم المحرز في المناقشات الثنائية حول هذه القضية على مر السنين، يرفض الكونغرس الموافقة على اتفاقية تسمح بالتخصيب المحلي في السعودية، ويبدو أن بن سلمان غير مستعد للتخلي عن السيطرة على جميع مكونات دورة الوقود النووي. ربما تستخدم واشنطن كلاً من اتفاقية الدفاع والتعاون النووي كورقة ضغط للتطبيع المستقبلي مع إسرائيل دون الحاجة إلى تنازلات سياسية سعودية كبيرة. وإذا كان الأمر كذلك، فسيكون ذلك مفيدًا لإسرائيل.
أما بالنسبة للعلاقات مع إسرائيل، فقد توافق الرياض في نهاية المطاف على التطبيع، لكنها تُصرّ على أنها لن تفعل ذلك دون خطوات جادة نحو تسوية إسرائيلية فلسطينية. من وجهة نظر واشنطن، فإن عدم إحراز إسرائيل أي تقدم يُمكّنها من الاحتفاظ بأقوى أوراق التفاوض - الدفاع والتعاون النووي - إلى حين التوصل إلى اتفاق تطبيع حقيقي.
من وجهة نظر إسرائيل
بالنسبة لإسرائيل، تُعدّ زيارة ولي العهد لواشنطن حدثًا معقدًا، إذ يرمز إلى فرصة تاريخية ومخاطر جسيمة في آنٍ واحد. لا يقتصر الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على الأسلحة والتطبيع بين الرياض والقدس فحسب، بل يعكس أيضًا الدور الجديد للسعودية كحليف استراتيجي رائد ضمن المحور الأمريكي في الشرق الأوسط. لذا، ستحتاج إسرائيل إلى إعادة تعريف دورها كشريك فاعل في هذا الهيكل الإقليمي الذي تُصرّ الإدارة على تعزيزه...
إن زيارة ولي العهد لواشنطن ليست مجرد "حدث سعودي"؛ بل هي جزء من جهود إدارة ترامب الأوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة أيضًا بمجالات أخرى، مثل المنافسة مع الصين، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتحديات الهجرة، والقضايا المرتبطة بالتقنيات المتقدمة. بالنسبة لإسرائيل، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على نتائج الزيارة، بل على ما إذا كانت إسرائيل قادرة على التكيف مع النمط الجديد للسياسة الإقليمية الأمريكية، لا سيما في ضوء توقع واشنطن أن يتحمل حلفاؤها حصة أكبر من العبء الأمني. لذلك، يجب على إسرائيل تبني موقف "الشراكة الاستباقية". وإلا، فإنها تخاطر بالوقوع في بيئة استراتيجية تتشكل بدونها، ومع ذلك لا تزال تتطلب تعديلات على سياستها الأمنية.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
الكاتب: Eldad Shavit Yoel Guzansky