السبت 29 تشرين ثاني , 2025 11:50

أسس ترامب الرديئة في صنع السلام

ترامب يعقد اتفاقات سلام وهمية

في السنوات الأخيرة، برزت إدارة دونالد ترامب بمبادرات عدة تحت مسمى "اتفاقات سلام". ورغم العناوين الرنانة والخطط المعلنة، فإن معظم هذه الجهود بحسب موقع "ذا ناشيونال انترست" اتسمت بالسطحية والانحياز للطرف الأقوى، مع تجاهل مصالح الأطراف الأضعف، مما يجعل جدواها في تحقيق سلام حقيقي محل شك. خصوصاً في غزة حيث كشفت هذه الاتفاقات عن نمط واضح: "إعطاء الأولوية لمصالح إسرائيل على حساب الفلسطينيين"، والاعتماد على النفوذ الشخصي للولايات المتحدة بدلاً من الوساطة المتوازنة.

النص المترجم:

تقوم موجة "اتفاقات السلام" المتسرّعة والركيكة التي تروّج لها إدارة ترامب على أسس غير مستقرة.

فالرئيس دونالد ترامب، الذي يتوق علنًا إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام، ذهب بعيدًا في تشويه معنى مفهومي "اتفاق السلام" و"الوساطة". فهو ينسب لنفسه الفضل في أي خطوة يمكن تصويرها — ولو بشكل متكلّف — على أنها انتقال من الحرب إلى السلم، ما دام له بها أي صلة، مهما كانت ضعيفة أو غير مباشرة.

فخلال ولايته الأولى، كانت هناك ما سُمِّي بـ"اتفاقات أبراهام"، التي لم تكن في الحقيقة اتفاقات سلام على الإطلاق، بل مجرّد رفع للعلاقات الدبلوماسية مع دول عربية لم تكن في حالة حرب مع "إسرائيل" وكانت أصلًا تربطها بها مستويات واسعة من التعاون. أما الأثر الصافي لهذه الخطوة على السلام في الشرق الأوسط فكان سلبيًا، إذ رأت "إسرائيل" في هذا التطبيع بديلاً عن "صنع السلام مع الفلسطينيين"، وقاعدة لبناء تحالف عسكري مناهض لإيران.

في ولايته الثانية، ادّعى ترامب أنّه صانع سلام في عدة نزاعات كان طرفٌ آخر هو من تولّى الجزء الأكبر من الوساطة فيها. كان هذا هو الحال في النزاع الحدودي بين كمبوديا وتايلاند، حيث قامت ماليزيا بمعظم الجهد الدبلوماسي الحقيقي. أما "اتفاق السلام" الذي حاول ترامب أن ينسب لنفسه دورًا فيه، فلم يحلّ أصلًا القضايا المتنازع عليها، كما أشارت كلٌّ من كمبوديا وتايلاند عندما وصفتا الوثيقة بأنها مجرد تدوين لما جرى في الاجتماع.

وفي نزاعات أخرى ادّعى ترامب لعب دور الوسيط فيها، مثل النزاع بين الكونغو ورواندا، استمرت المعارك في الاشتعال لأن الميليشيات التي تخوض القتال لم تكن طرفًا في "اتفاق السلام". أمّا في النزاع الهندي–الباكستاني المستمر منذ عقود، فقد رفض أحد الطرفين — الهند — بشكل قاطع أي تدخل لطرف ثالث، ونفت صراحةً أن تكون الولايات المتحدة قد قامت بأي وساطة.

لقد كان انخراط الرئيس ترامب أو إدارته في مساعي حلّ بعض هذه النزاعات ضئيلاً إلى حدّ الاكتفاء بتهديد تعليق المفاوضات التجارية، كما حدث في قضية كمبوديا وتايلاند. لكن في حالتين أخريين، كان تورّط الإدارة أكبر بكثير. وهاتان الحالتان تكفيان للكشف عن نمط واضح يمكن اعتباره امتدادًا لهوس ترامب بالانحياز إلى "الفائزين" وإظهار الازدراء تجاه "الخاسرين".

النمط يتمثل في الانحياز لطرف القوة العسكرية المهيمنة مع تجاهل مصالح الطرف الآخر في النزاع إلى حد كبير. ويبدو أنّ ترامب يرى أنّ تيسير وتشجيع الطرف القوي على تحقيق هدفه في سحق الطرف الضعيف هو الطريق الأسرع لإنهاء الحرب، وشيء يمكنه تصويره على أنّه "سلام".

إحدى تلك الحالات هي “خطة السلام” المؤلفة من 20 نقطة لغزّة التي قدّمها ترامب. وبالرغم من التعليقات في الأسابيع الأخيرة حول تأثير ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بعض المسائل، مثل دفع نتنياهو لتقديم اعتذار لدولة قطر بسبب شن غارة جوية على أراضيها، فإن الخطة تتوافق مع موقف ترامب طوال فترة رئاسته، القاضي بالرضوخ لتفضيلات "إسرائيل" في جميع القضايا الكبرى.

في فترة ترامب الأولى، شمل هذا الموقف الهدايا التي قدّمها لحكومة نتنياهو، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة "إسرائيل" على هضبة الجولان، وكلاهما كانا مخالفين للإجماع الدولي. أما في فترة رئاسته الثانية، فقد قدّم دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا لهجوم "إسرائيل" القاتل على قطاع غزة، بما في ذلك مساعدات مادية ضخمة للجيش الإسرائيلي.

ساعد هذا الدعم "إسرائيل" على إلحاق قدر هائل من الدمار بغزّة. ولم يكن هناك أي مشاركة فلسطينية فعلية في صياغة "خطة السلام" لترامب. مؤخرًا، ضغوط "إسرائيل" على الإدارة دفعتها إلى إلغاء اجتماع كان مقررًا في تركيا بين المبعوث ترامب ستيف ويتكوف وأحد قادة حماس.

رفضت حركة حماس الخطة برمتها، مشيرة تحديدًا إلى أنّها ستبقي الفلسطينيين تحت حكم أجنبي. أما السلطة الفلسطينية القديمة فلمّحت إلى استعدادها للمشاركة، لكن "إسرائيل" ترفض مشاركة السلطة، ولا يوجد ما يشير إلى أنّ إدارة ترامب مستعدة لتجاوز موقف نتنياهو في هذه المسألة.

تميل بنود الخطة بشكل كبير لصالح تفضيلات "إسرائيل" وضد مصالح الفلسطينيين. من المتوقع أن تقوم حركة حماس "بنزع السلاح بالكامل"، بينما لا يُفرض أي مثل هذا الشرط على الطرف الذي تسبب في عدد أكبر بكثير من القتلى والدمار. ولا توجد أي ضمانات بسحب الجيش الإسرائيلي.

لا يوجد أي مراقبة لانتهاكات "إسرائيل" لوقف إطلاق النار، والتي كانت بالفعل كبيرة. وكما حصل مع وقف إطلاق النار في وقت سابق من هذا العام، فإن الاحتمال الأكبر هو أن تستأنف "إسرائيل" العمليات العسكرية في أي مكان وزمان تشاء، وأن تتجاهل الالتزامات الإسرائيلية المفترضة في المراحل اللاحقة من الخطة.

والأهم من ذلك، في المسألة الأساسية المتعلقة بما إذا كان الفلسطينيون سيحظون يومًا بحق تقرير مصيرهم، ناهيك عن إقامة دولتهم الخاصة، فإن إجابة خطة ترامب هي "لا". السلطة المسيطرة ستكون مجلسًا يرأسه شخص متمركز بوضوح في معسكر "إسرائيل" أي ترامب نفسه. وستستمر الأهداف الإسرائيلية في إبقاء الفلسطينيين دون دولة.

كما تتجاهل الخطة ما يحدث في الضفة الغربية، حيث تجعل عمليات الطرد الجماعي والهجمات العسكرية الإسرائيلية، وارتفاع مستوى العنف من قبل المستوطنين الإسرائيليين، المنطقة أقل قابلية للعيش بالنسبة للفلسطينيين المقيمين فيها. أما صياغة خطة ترامب حول أنّه إذا حصلت أمور معينة "قد تتوفر أخيرًا الشروط لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة"، فهي على الأقل ضعيفة وذات معنى فارغ، مثل أي صيغ سابقة على هذا النهج.

لو أراد ترامب أن يكون صانع سلام حقيقيًا، كان بإمكانه الاقتداء بالرئيس الأمريكي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل للسلام لدوره في الوساطة: ثيودور روزفلت، لدوره في التوسط لإنهاء الحرب الروسية-اليابانية بين 1904 و1905. كان ذلك دورًا حقيقيًا في الوساطة، حيث تم تمثيل الطرفين المتحاربين بالكامل في المفاوضات، واعترفت الولايات المتحدة بمصالح وأهداف كلا الجانبين. واستضافت الولايات المتحدة الوساطة في بورتسموث، نيوهامشير، والتي أسفرت عن معاهدة سلام أنهت الحرب.

كان روزفلت قد أظهر تحيزًا معينًا تجاه اليابان سابقًا، لكنه كان متوازنًا في مفاوضات السلام، جزئيًا بسبب الهدف الواقعي لتجنب هيمنة اليابان أو روسيا في الشرق الأقصى. فازت اليابان بمعظم المواجهات العسكرية في الحرب وحصلت على معظم التنازلات على طاولة المفاوضات. لكن روسيا كانت لديها القدرة على قلب الموازين إذا استمرت الحرب، وحصلت أيضًا على بعض التنازلات، خصوصًا في رفض مطلب اليابان للتعويضات.

لم تحل معاهدة بورتسموث كل الخلافات بين اليابان وروسيا، لكنها أمنت ثلاثين عامًا من السلام بين القوتين، على الرغم من إمبريالية اليابان وثورة روسيا.

لا يوجد أي احتمال لشيء مماثل في مقاربة ترامب للصراعات في غزة وأوكرانيا، طالما أن "إسرائيل" تخضع الفلسطينيين بالسيف، ستستمر المقاومة الفلسطينية، تمامًا كما كان الحال لسنوات عديدة قبل وجود حركة حماس.

دونالد ترامب لا يُظهر أي مؤشر على أنه فكر في مثل هذه الأمور. رغبته الشخصية القصيرة الأمد في تسجيل أي إنجاز، "كاتفاق سلام"، ستترك وراءه عالمًا أقل سلاما.


المصدر: The National Interest

الكاتب: Paul R. Pillar




روزنامة المحور