السبت 29 تشرين ثاني , 2025 10:53

ما هي أسباب ودلالات فشل المحادثات الدفاعية البريطانية الأوروبية؟

كشف فشل المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بشأن مشاركة الأولى في برنامج الإجراء الأمني لأوروبا (SAFE) حجم التعقيد الحقيقي الذي يواجه مسار إعادة الضبط بين الجانبين بعد بريكست. فالمحادثات التي استمرت طوال الأشهر الماضية، وانتهت قبيل الشهر الحالي تشرين الثاني/نوفمبر من دون اتفاق، كانت نتيجة فجوة مالية وسياسية واسعة يصعب حصرها في الوقت الراهن. ويشكّل هذا التعثر محطة مفصلية لأنه يتقاطع مع سياق أوسع، قوامه ضغوط إنفاق دفاعي متصاعدة داخل الدول الأوروبية، رغبة بريطانية في استعادة نفوذها الأمني عبر شراكات منتقاة، وشروط أوروبية تعكس توازنات داخلية لا تقل تعقيداً عن الموقف البريطاني نفسه.

يعود جوهر الخلاف، للكلفة والشروط لكلا الجانبين. ويمكن القول أن السبب المباشر لانهيار المحادثات مرتبط بالخلاف حول حجم المساهمة البريطانية في البرنامج. فبينما طلب الاتحاد الأوروبي ما يصل إلى 6.5 مليارات يورو للسماح للشركات البريطانية بالمنافسة على عقود قد تصل قيمتها إلى نصف البرنامج، لم تعرض لندن سوى 300 مليون يورو كحد أقصى. هذا الفارق تعبير عن رؤيتين متباينتين لطبيعة الشراكة. فالاتحاد الأوروبي يرى أن الوصول إلى صندوق دفاعي بهذا الحجم يتطلب مساهمة مالية تعكس حجم الفرص الاقتصادية والسياسية التي سيجنيها الطرف المنضم. في حين تصر المملكة المتحدة على تقييم المشاركة وفق معيار "القيمة مقابل المال"، وترفض دفع مبلغ تعتبره مجحفاً بالنظر إلى عدم وجود ضمانات بأن الشركات البريطانية ستفوز فعلاً بعقود تُعادل هذه المساهمة. كما أن دفع فرنسا باتجاه إعطاء الشركات الأوروبية أفضلية واضحة، جعل أي تسوية تتطلب تراجعاً فرنسياً لم يتحقق.

يترتب على فشل المفاوضات أن شركات الدفاع البريطانية لن تتمكن من دخول الجولة الأولى من تمويل SAFE بشروط تفضيلية. وستضطر للمنافسة على أساس "دولة ثالثة"، ما يعني قدرة محدودة لا تتجاوز 35% من المشتريات، ودون أولوية.

هذه النتيجة تُعد خسارة مباشرة لقطاع يعتبر المشاركة في برنامج حجمه 150 مليار يورو فرصة استراتيجية، سواء من حيث الإنتاج أو التطوير التكنولوجي أو الشراكات الصناعية.

ويشير بعض المراقبين البريطانيين إلى أن بريطانيا "كانت لتكون جزءاً تلقائياً" من هذه المنصة لو لم تخرج من الاتحاد الأوروبي، ما يضيف بُعداً سياسياً داخلياً إلى المشهد، حيث ستُستخدم هذه الخسارة دليلاً إضافياً على كلفة بريكست الصناعية.

كما تأتي هذه التطورات في ظل ضغط أميركي واضح على حلفاء الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي. وهذا يجعل SAFE منصة أوروبية مهمة لتعويض اختلال توازنات الإنتاج العسكري الناتج عن الحرب في أوكرانيا. بالنسبة لبريطانيا، المشاركة في هذا البرنامج هي جزء من محاولة الحفاظ على دور قيادي في أمن أوروبا، خصوصاً بعد تراجع قدرتها المالية على إطلاق برامج تسلح منفردة في ظل سياسات "توفير الكفاءة" داخل وزارة الدفاع.

غير أن الواقع المالي يفرض قيوداً بدوره، إذ إن وزارة الدفاع البريطانية تواجه بالفعل حملة توفير تصل إلى 2.6 مليار جنيه استرليني، وهو ما يجعل دفع مليارات إلى صندوق أوروبي من دون عوائد مضمونة خطوة يصعب تمريرها سياسياً.

من جهة أخرى، يؤكد الاتحاد الأوروبي أنه خاض المفاوضات بـ"حسن نية"، وأن البرنامج "مفتوح بطبيعته". لكنه يلتزم أيضاً بخطوط عريضة لا يمكن تجاوزها. فالمساهمة المالية يجب أن تعكس المزايا الممنوحة، وأي استثناء لبريطانيا قد يشجع دولاً أخرى -كندا على سبيل المثال التي يجري التفاوض معها بالتوازي- على طلب شروط مماثلة.

كما لا يمكن تجاهل البعد السياسي الداخلي للاتحاد، حيث تعتمد المفوضية على دعم الدول الأعضاء لتمرير أي اتفاق، وهو ما يجعل منح بريطانيا خصماً كبيراً أو استثناءات واسعة أمراً محفوفاً بالمخاطر.

رغم فشل الوصول إلى اتفاق في الجولة الأولى، تشير تصريحات الطرفين إلى استمرار النية لإيجاد تسوية لاحقاً، ربما قبل الجولة الثانية من التمويل. كما تستمر مفاوضات موازية حول ملفات حساسة أخرى أيضاً. مثل اتفاقات تبسيط التجارة في الغذاء والطاقة. لكن هذا الفشل يضيف عبئاً جديداً على مسار "إعادة الضبط" الذي أعلنه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في أيار/مايو الماضي، ويظهر هشاشة هذا المسار عندما يتعلق الأمر بالقضايا المالية والقطاعية التي تمس مصالح داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.

أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في خسارة لندن فرصة مبكرة داخل SAFE، بل في أنه يُظهر حدود الاستراتيجية البريطانية الجديدة. اذ تريد لندن أن تستعيد نفوذها الأوروبي عبر شراكات انتقائية لا تُعيدها إلى منظومة الاتحاد. لكن بروكسل تريد ترتيبات تُعطي الاتحاد أفضلية واضحة ولا تفتح الباب لعودة "الانتقاء" البريطاني الذي كان أحد أسباب الصدام قبل بريكست.

بكلمات أخرى، يشكل الفشل الحالي إشارة إلى أن مرحلة ما بعد بريكست لا تزال تبحث عن قواعد مشتركة، وأن إعادة الضبط هو عملية سياسية طويلة تتطلب توازناً دقيقاً بين السيادة البريطانية ومصالح الاتحاد الأوروبي المشتركة.


الكاتب:

مريم السبلاني

-كاتبة في موقع الخنادق.

-ماجستير علوم سياسية.




روزنامة المحور