في بلدة بيت جن الواقعة عند تخوم جبل الشيخ، لم تكن ليلة الجمعة مجرد حادثة عابرة في سجلّ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأرض السورية. ما جرى كان لحظة انكشاف جديدة لجوهر الصراع، ولحظة وعي شعبية تتجاوز كل الحسابات الضيقة: فالشعب الذي خُذل لأشهر، وتُرك مكشوفاً أمام آلة الاحتلال من دون حماية حقيقية من نظام الشرع الجولاني، اتخذ هذه المرة قراراً مختلفاً. قرار المقاومة والدفاع عن أرضه بيده، كما فعل أهل بيت جن حين التفّوا حول جنود الاحتلال وحاصروهم، فارتبك العدو ولجأ إلى سلاحه الوحيد حين تضيق به السبل: سلاح الإجرام واستهداف المدنيين.
وفي تفاصيل ما حدث، اقتحمت قوة من لواء الاحتياط الإسرائيلي التابع للفرقة 210 بلدة بيت جن لتنفيذ عملية اعتقال، بدعوى مطاردة "مطلوبين". لكن العملية التي قيل إنها استُعدّ لها لأكثر من شهر تحوّلت سريعاً إلى مأزق عسكري. فأهالي البلدة تصدّوا للجنود، واندلعت اشتباكات مباشرة استمرت ساعتين، مُظهرة حقيقة لطالما حاولت إسرائيل إنكارها: أن من يعرف تضاريس الأرض ويقاتل دفاعاً عن بيته قادر على قلب معادلة القوة مهما بلغت ترسانة العدو تطوراً.
ورغم المناورات التي أجرتها إسرائيل قبل أيام بقيادة رئيس الأركان إيال زامير، فإن الساعات القليلة في بيت جن كانت كافية لكشف عجز الجيش الإسرائيلي عن التعامل مع مواجهة شعبية أصلية. فقد أصيب 6 جنود – اعترفت تل أبيب بثلاثة منهم في حال خطيرة – بينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة 13 جندياً (بينهم ضابط). وتُركت آلية عسكرية معطوبة في ساحة القتال، اضطر سلاح الجو لقصفها لاحقاً حتى لا تقع غنيمة بيد الأهالي.
وهنا، تظهر المفارقة الكبرى: الجيش الذي يفاخر بأنه "الأقوى في المنطقة"، يستنجد بمسيّراته وطائراته الحربية ومدفعيته الثقيلة، لمواجهة شعب أقصى ما يملكه من سلاح، هو بندقية رشاش كلاشينكوف. ومع تزايد الحرج العسكري، انتقل الاحتلال سريعاً إلى سلاحه المفضل: قتل المدنيين. فقد استشهد 13 سورياً، جلّهم من أطفال ونساء، نتيجة القصف المدفعي والصاروخي العنيف الذي استهدف البلدة بعد فشل التوغل.
هذه الجريمة ليست منعزلة عن سياق ما بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في كانون الأول / ديسمبر الماضي. فمنذ ذلك اليوم، كثّفت إسرائيل عدوانها البري في عمق الأراضي السورية، وتوغلت بريف القنيطرة وريف دمشق مراراً، واعتدت منذ بداية هذا الشهر وحده أكثر من 46 مرة في مناطق القنيطرة، لأنها لم تجد أي رد فعل من سلطة الشرع الجولاني (التي لديها الإمكانات فقط لقتل أبناء سوريا العزّل في حمص والساحل والسويداء وغيرها).
لذلك، كانت المقاومة الفلسطينية أول من استطاع قراءة المشهد بوضوح. فقد أكدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي أن ما جرى في بيت جن يعكس حقيقة ثابتة: أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، وأن الشعوب حين تقاوم تُربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مهما بلغ تسليحها.
أما دمشق الرسمية، فرغم تكرار الإدانة وتحميل الاحتلال مسؤولية العدوان، لا تزال تبحث عن "حلول دبلوماسية" لتفادي التصعيد، ضمن سياسة أثبتت فشلها. فإسرائيل لا تحتاج ذرائع لتوسيع عملياتها، ولا تحسب حساباً لسيادة بلد تتعامل معه كأرض مستباحة منذ أشهر. ومع تمسك دمشق بخياراتها الحذرة، بات واضحاً أن من يملأ الفراغ هم الناس أنفسهم، أصحاب الأرض الذين قرروا أن المقاومة هي الطريق الوحيد لحماية قراهم.
الكاتب: غرفة التحرير