الجمعة 28 تشرين ثاني , 2025 03:48

ترسيم الحدود البحرية: ما هكذا تؤكل الكتف

الرئيس اللبناني جوزاف عون مع الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس

شهدت الساحة اللبنانية في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع قبرص، وهو الحدث الذي أعاد ملف الطاقة البحرية إلى واجهة النقاش العام، إلا أن الاتفاق أثار الكثير من الجدل بسبب النقائص والشبهات التي رافقته منذ البداية، والتي قد تجعل مخرجاته أكثر ضرراً من فائدته المحتملة.

ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص ليس جديداً، بل يعود إلى عام 2007 في عهد حكومة فؤاد السنيورة. منذ ذلك الحين، واجه الملف العديد من العقبات، أغلبها مرتبط بالضغوط الدولية على الحكومات اللبنانية المتعاقبة، بالإضافة إلى تدخل الاحتلال الإسرائيلي والضغط الخليجي، لا سيما الإماراتي. هذه الضغوط أسهمت في تأجيل الاتفاق مرات عدة، مما أضعف موقف لبنان التفاوضي وجعل أي اتفاق مستقبلي عرضة لأن يكون هشاً، خصوصاً إذا جاء بسرعة ودون دراسة متأنية.

الاتفاق الموقّع: عجلة دون تروي

اللافت في الاتفاق الأخير هو السرعة التي جرى بها توقيعه، إذ لم يمنح الوقت الكافي لدراسة جميع الجوانب الفنية والقانونية للحدود البحرية. فوفق معلومات، قامت مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني بإعداد دراسة متقدمة استخدمت أحدث طرق القياس والمعالجة والأقمار الصناعية، واتبعت منهجية الإنصاف وتناسب أطوال السواحل.

حيث كانت النتيجة صادمة فالمساحة المفقودة تُقدر بأكثر من 5000 كلم² من المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، أي ما يقارب نصف مساحة لبنان تقريباً. هذه الفجوة الكبيرة تشكل تهديداً مباشراً لحقوق لبنان في استغلال ثرواته البحرية، خاصة الغاز الطبيعي، وهي خسارة محتملة لو تم المضي في الاتفاق كما هو دون تعديل.

حزب الله، في سياق التقييم الفني للملف، طلب استشارة خبير دولي مختص بالترسيم البحري، مؤكّداً "ضرورة التمهل وعدم الاكتفاء بالاتفاق المبدئي"، إلا أن الدولة اللبنانية لم تأخذ بالملاحظات، ما يزيد من احتمال أن تكون النتائج النهائية لصالح طرف واحد أكثر من لبنان نفسه.

مخالفة دستورية واضحة

الاتفاق لم يقتصر على الثغرات الفنية فحسب، بل شابته أيضاً مخالفة دستورية واضحة. وفق تصريحات هيئة التشريع والاستشارات، فإن أي اتفاق من هذا النوع "لا يفسخ سنة فسنة" لا يمكن أن يُبرم ويُنفذ دون عرضه على مجلس النواب للمصادقة عليه، وهو ما لم يحدث في هذه الحالة. هذه المخالفة تُضعف شرعية الاتفاق داخلياً وقد تكون سبباً لاحقاً لإلغائه أو تعديله، إذا تم الاستناد إلى الأسس القانونية.

التدخل الإسرائيلي والتربص بالاتفاق

لم تمض أيام على توقيع الاتفاق حتى جاء التصريح الإسرائيلي المثير للجدل من وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي أشار إلى أن تل أبيب "ستعيد النظر بشأن الاتفاق، نظراً لاحتوائه على نقاط ضعف عديدة وقضايا إشكالية". هذا التصريح يعكس بوضوح مدى التحكم الإسرائيلي في أي قرار يتخذه لبنان، خصوصاً أنه ترافق مع تهديد واضح "بنسف الاتفاق"، ما يعني أن أزمة الكيان مع لبنان تتخطى أزمة سلاح حزب الله لتشمل كل خطوة يتخذها الجانب اللبناني وهذا ضمنياً يمكن تصنيفه بأنه احتلال غير مباشر يمارسه الكيان على لبنان إلى جانب الاعتداءات الكثيرة الأخرى.

فلماذا يُهدد وزير الاحتلال لبنان بشأن اتفاق يخص حدوده البحرية؟ وما الذي يعنيه ذلك بشأن استقلالية القرار اللبناني في إدارة ملف ثرواته الوطنية؟ ومتى ستضع الدولة حدوداً لهذا التمادي الذي بات يعيق حركة الدولة اللبنانية كلها. ويظهر هذا التربص أن الاتفاق، رغم توقيعه، ليس محمياً من الضغوط الخارجية، وقد يكون أداة سياسية تُلعب لصالح طرف آخر.

إيجابيات محدودة مقابل مخاطر كبيرة

من تحليل الوضع الحالي، يتضح أن الاتفاق الموقّع بين لبنان وقبرص مليء بالثغرات والنواقص التي تجعل المخاطر المحتملة أكبر من الإيجابيات. فقد تمت خسارة مساحة كبيرة من المنطقة الاقتصادية، ولم تُراعَ المشورة الفنية الدولية، كما جرى التوقيع بطريقة قد تخالف الدستور اللبناني، وكل ذلك تحت تأثير مباشر أو غير مباشر للضغوط الإقليمية والدولية، بما فيها "إسرائيل".

في الوقت ذاته، يظل هذا الاتفاق فرصة يمكن البناء عليها إذا تم التمهل، وتصحيح النقاط الخلافية، وإشراك خبراء دوليين مستقلين، وضمان مصادقة مجلس النواب، لضمان حقوق لبنان في ثرواته البحرية وحماية سيادته الوطنية. وعدم السماح للاحتلال بأن يربط بينه وبين ملف "نزع سلاح حزب الله" ويجعله ورقة ضغط على لبنان.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور