تشير المعطيات الميدانية والسياسية التي رافقت العملية العسكرية الإسرائيلية الموسعة شمالي الضفة الغربية إلى أنّ الحدث يتجاوز بكثير السردية الأمنية التي يروّج لها جيش الاحتلال. فالتوقيت، حجم القوات، أنماط الاشتباك، والجهات المستهدفة تكشف عن مقاربة أعمق ترتبط بإعادة صياغة معادلة السيطرة على الضفة، وتمكين المشروع الاستيطاني، وتعطيل أي دينامية فلسطينية قد تتيح إعادة فتح النقاش حول مستقبل الأرض المحتلة. ضمن هذا الاطار، تُعد تصريحات الخبراء الفلسطينيين والإسرائيليين الذين تابعوا مسار العملية مرجعاً أساسياً لفهم دوافعها، إذ يلتقي هؤلاء عند نقطة مركزية: ما يجري في طوباس ليس عملية أمنية وحسب، إنما حلقة في مشروع سياسي طويل الأمد.
تبدو المقاربة الأمنية الإسرائيلية أقرب إلى الغطاء الإجرائي منها إلى الدافع الحقيقي. اذ يمكن اعتبار العامل الأمني "ثانوياً"، لحساب سعي الحكومة الإسرائيلية إلى منع أي انتفاضة جديدة بالتزامن مع تسريع تعميق الاستيطان. كما أن شعور اليمين الاسرائيلي المتطرف بأن ملف ضمّ الضفة لم يعد مطروحاً في واشنطن، يمكن أن يوضح بعداً جديداً للعملية، الأمر الذي يُفسّر، محاولات فرض وقائع ميدانية تمنع أي مسار سياسي فلسطيني في المستقبل.
خلال يومين من العملية، شهدت مناطق واسعة في محافظة طوباس انتشاراً كثيفاً لقوات الاحتلال، وحملات دهم واعتقال وحظر تجول، وتحويل منازل إلى مواقع عسكرية، إضافة إلى استخدام المروحيات وإطلاق النار من الجو. هذا النمط من العمليات يرتبط عادة بعمليات "تطويع" جغرافيا كاملة، وليس مجرّد مطاردة خلايا محدودة كما يَزعم الاحتلال. ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن سياق دولي غير مريح لإسرائيل، بعد البيان المشترك الذي صدر عن فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والذي طالب بحماية الفلسطينيين وأدان التوسع الاستيطاني. ورغم محدودية أثر هذه المواقف على القرار الإسرائيلي، فإنها تسهم في تفسير رغبة تل أبيب في فرض واقع جديد قبل أي تحوّل محتمل في البيئة الخارجية.
لكن البعد الميداني ليس سوى جزء من صورة أشمل. اذ تعتمد الحكومة الإسرائيلية، بحسب البعض، إستراتيجية إبقاء حالة الحرب مشتعلة على مختلف الجبهات لمنع أي تهدئة قد تُعيد فتح نقاش حول مستقبل الضفة أو تؤثر على المشاريع الاستيطانية. إذ يحتاج اليمين الإسرائيلي إلى استمرار "التهديد" باعتباره شرطاً لتبرير التوسع الاستيطاني وتقييد أي نقاش داخلي حول نهاية الحرب. ومن زاوية سياسية داخلية، تعمل الحكومة على استثمار مناخ المواجهة لتعزيز موقعها الانتخابي وتفادي أي مساءلة أو نقاش جوهري حول المرحلة المقبلة.
هذا المسار يفسر ما يجري لا يتطابق مع "الأهداف الأمنية" المعلنة. اذ تعتمد إسرائيل إستراتيجيتين متوازيتين: الأولى سياسية تتعلق بإدارة الضم والسيطرة على مناطق شديدة الحساسية مثل الأغوار والحوض المائي الشرقي، باعتبارها ركيزة الأمن الغذائي الفلسطيني ومفتاح السيطرة الاستراتيجية على الضفة. أما الثانية فتقوم على تكريس الخوف لدى الجيل الفلسطيني الجديد عبر استعراض القوة الميدانية، ما يجعل العمليات جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل وعي السكان وإرساء مفهوم استحالة مقاومة السيطرة الإسرائيلية.
تجمع المعطيات الميدانية والسياسية على أنّ العملية تستهدف البيئة والأرض والبنية الاجتماعية الفلسطينية، وتتحرك وفق معادلة ترى في استمرار التوتر شرطاً لاستدامة المشروع الاستيطاني. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة العملية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، ولا عن الحسابات السياسية الداخلية في كيان الاحتلال، حيث يتم تبدیل الأمن إلى أداة لإنتاج واقع سياسي جديد، هدفه النهائي تعطيل أي إمكانية لظهور كيان فلسطيني قابل للحياة. لذلك، فإن كيان الاحتلال يمعن بقراءة أي متغير محلي أودولي بحذر، ويصنفه كمحاولة تأثير على مشروعه الاستيطاني الذي يعتبره في صلب عقيدته الوجودية.
الكاتب: غرفة التحرير