تعيش محافظة حضرموت، إحدى أكثر المحافظات اليمنية ثراءاً بالموارد النفطية، وأكثرهم أهمية لناحية موقعها الجغرافي، مرحلة متقدمة من التوتر بين الفصائل المسلحة المدعومة اماراتياً وسعودياً. فما بدا لسنوات صراعاً بارداً على النفوذ، يشتد بفترات متقطعة ويأخد أشكالاً عدة، تحوّل خلال الأيام الماضية إلى احتقان علني يتخذ شكل تحشيد عسكري من الجانبين.
اللافت كان تحريك مليشيا المجلس الانتقالي لقوة كبيرة قوامها نحو 300 مركبة، بينها حافلات ومدرعات، خرجت من عدن باتجاه حضرموت. تزامن ذلك مع انتقال ألوية من مواقعها واستدعاءات عاجلة لقوات من اللواء 12 عمالقة بعد انقضاء إجازاتهم، في مؤشر إلى أن الانتقالي يتعامل مع الوضع بوصفه لحظة حاسمة تتطلب استعداداً عملياتياً عالياً. جاءت هذه التحركات على خلفية تهديد مباشر أطلقه قائد ما يسمى قوات الدعم الأمني التابعة للانتقالي صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ"أبو علي الحضرمي"، أعلن فيه استعداد قواته للهجوم على قوات "حلف حضرموت"، باعتبار أن حضرموت -وفق تصوره- يجب أن تبقى ضمن "دولة الجنوب العربي".
رئيس حلف قبائل حضرموت، عمرو بن حبريش العليي، رد على هذه الخطوة داعياً إلى اجتماع قبلي موسع في محاولة لتوحيد موقف القبائل تجاه التطورات المتسارعة. الدعوة حملت دلالات سياسية تتجاوز الطابع القبلي، إذ صدرت وسط حراك محلي يطالب بالمشاركة في السلطة والثروة وتحسين الإدارة المحلية. وقد سبق للحلف أن قاد تصعيداً ضد السلطة المحلية التابعة للمجلس الرئاسي، متهماً إياها بسوء إدارة الشأن العام وتردي الخدمات. ومن بين التصريحات الأكثر وضوحاً، تلك التي أطلقها في تموز/ يوليو الفائت عن مطلب توجيه عائدات النفط من ميناءي الضبة والمسيلة لتمويل مشاريع كهربائية تخدم المحافظة.
التوتر امتد إلى محافظة المهرة، حيث أصدرت لجنة اعتصام المهرة السلمي بياناً عبّرت فيه عن رفضها استهداف حلف قبائل حضرموت. اللجنة حمّلت جهات خارجية، وعلى رأسها الإمارات، مسؤولية أي صراع قد يجرّ المنطقة إلى دائرة الفوضى، معتبرة أن أي فتنة في حضرموت لن تبقى محصورة داخلها، بل ستنعكس على المحافظات الشرقية كافة. البيان كان لافتاً لجهة التفريق بين القوى المحلية والجهات الداعمة لها، في رسالة واضحة بأن المشكلة ليست في المطالب المحلية المتنافسة، بل في التوظيف الإقليمي لها.
يمكن القول بأن الصراع في حضرموت يأتي انعكاساً مباشراً لتباين أولويات الرياض وأبوظبي. فالمجلس الانتقالي، المدعوم إماراتياً، يطالب بانفصال جنوب اليمن، ويعمل على تثبيت نفوذه في المحافظات الجنوبية، بما فيها حضرموت التي تُعدّ بالنسبة له جزءاً من مشروعه السياسي. في المقابل، يحظى حلف قبائل حضرموت بدعم سعودي، ويتبنى خطاباً يراوح بين المطالبة بالحكم الذاتي وإدارة مستقلة للثروة المحلية، دون تبنّي دعوة الانفصال. ومع أن الطرفين يتحركان تحت غطاء محلي، فإن خطابهما القائم على الهوية والموارد يندمج في سياق صراع نفوذ أكبر بين رعاة الفصائل.
غير أن البعد المحلي لا يقل أهمية. فقد شهدت حضرموت خلال الأشهر الماضية فعاليات سياسية رفعت فيها أعلام ما يسمى "دولة حضرموت"، في إطار ما وُصف بالمشروع السياسي الحضرمي، وهو ما يشير إلى تشكّل مزاج عام يرى في المحافظة كياناً سياسياً مستقلاً عن المشاريع الخارجية، سواء كانت انفصالية أو اتحادية. هذه النزعة وإن كانت لا تزال غير مكتملة المعالم، فإنها تبرز كرد فعل على تنافس القوى المدعومة خارجياً وعلى إدراك متزايد بأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تستجيب لمطالب السكان لا لمعادلات القوة الإقليمية.
تعكس التحركات الحالية محاولة واضحة من القوى الخارجية لفرض وقائع ميدانية في حضرموت قبل أي ترتيبات سياسية قادمة. فالمحافظة تشكّل مركز ثقل اقتصادي بسبب مواردها النفطية، وممراً بحرياً حيوياً على البحر العربي، ما يجعل السيطرة عليها هدفاً مباشراً للأطراف التي تخوض صراع النفوذ في جنوب اليمن. وفي ظل غياب إطار وطني جامع، تُترك الساحة لصراع الفصائل، حيث يسعى كل طرف لتعزيز موقعه عبر التحشيد العسكري واستمالة القوى القبلية.
يبدو أن حضرموت تتجه نحو مرحلة أشد تعقيداً، مع سعي الأطراف الخارجية إلى تعميق انقسامات محلية تخدم مصالحها. وبينما يتزايد الحديث عن مشاريع حكم ذاتي أو كيانات مستقلة، يبقى العامل الحاسم هو قدرة القوى المحلية على تجنّب الانجرار إلى صراع مسلح، وإبقاء قرار المحافظة في سياق يمنح أبناءها دوراً حقيقياً في تحديد مستقبلهم، بعيداً عن حسابات الإقليم وصراعاته.
الكاتب: غرفة التحرير