الجمعة 28 تشرين ثاني , 2025 09:44

جامعة ريخمان تحذر: الخنادق يخترق الوعي الإسرائيلي ويهدد الأمن المعرفي

مقال جامعة ريخمان حول موقع الخنادق

أظهر موقع الخنادق باللغة العبرية خلال العامين الأخيرين قدرة استثنائية على اختراق المجتمع الإسرائيلي والتأثير المباشر في توجهاته وانفعالاته الداخلية، متجاوزًا حدود الدور التقليدي للمواقع الدعائية المرتبطة بمحور المقاومة. فبفضل توجّه مدروس، وعملية بناء سردية منهجية، وتخصيص دقيق للرسائل الموجّهة إلى الجمهور العبري، أصبح الموقع أحد أكثر أدوات الحرب الإدراكية فعالية في الساحة الرقمية الإقليمية.
ولم يعد هذا التأثير مجرّد انطباع أو تقييم سياسي، بل تحوّل إلى حالة بحثية مقلقة داخل إسرائيل نفسها. ففي تقرير تحليلي صدر مؤخرًا عن جامعة ريخمان— إحدى أهم الجامعات البحثية في إسرائيل في مجالات الأمن القومي والسيبراني — حذّر الباحثون صراحة من أن الخنادق بات يشكّل تهديدًا متقدمًا على الوعي الجمعي الإسرائيلي. وأكد التقرير أن الموقع لا يُدار كمنصة إعلامية تقليدية، بل كمنظومة تأثير متكاملة تستخدم: الهندسة السردية، تحليل نقاط الضعف الاجتماعية الإسرائيلية، صياغة رسائل تلائم الانقسامات السياسية، وإغراق الفضاء العبري بمحتوى يحاكي الإعلام المحلي ويستغل لغته وثقافته.
وأشار باحثو جامعة ريخمان إلى أن الموقع أصبح إحدى أبرز قنوات "الاختراق الهادئ" التي تنجح في الوصول إلى الإسرائيليين دون إثارة الحذر الأولي اي باسلوب غير مباشر، على عكس وسائل الإعلام المرتبطة مباشرة بحزب الله كقناة المنار. وهذا ما يجعل تأثيره — وفق التقرير — أعمق، وأخطر، وأكثر قابلية للتوسع والاختراق
ويخلص تقرير الجامعة إلى أن ما يقوم به الخنادق هو حالة متقدمة من الحرب الإدراكية (Cognitive Warfare)، تقوم على إعادة تشكيل الإحساس الإسرائيلي بالواقع من خلال محتوى يبدو محليًّا، لكنه موجَّه لتحقيق أهداف استراتيجية لمحور المقاومة. ولهذا السبب تحديدًا، دعا التقرير المؤسسات الأكاديمية والأمنية الإسرائيلية إلى التعامل مع الموقع كتهديد ناشئ يجب مراقبته ودراسته ووضع آليات مضادة له. وفيما يلي نستعرض تقرير جامعة تل ابيب الذي جاء بعنوان "حرب التأثير التي ينفذها حزب الله – سلسلة الرؤى التحليلية: موقع الخنادق الإعلامي":

منذ 7 أكتوبر، أصبحت حرب التأثير ساحة مركزية في المواجهة بين محور المقاومة وإسرائيل. وإلى جانب العمليات العسكرية، كثّف "الوكلاء الإيرانيون" جهودهم للتلاعب بالمعلومات ضد إسرائيل والغرب. وهذا يوضح إدراكهم أن ساحة الحرب النفسية يمكنها أن تعوّض القيود العسكرية التقليدية، وأن تُنتج تأثيرات استراتيجية أكبر بكثير من التكلفة المتواضعة لإنتاج ونشر المعلومات.

تتناول هذه الدراسة أحد هذه الجهود: موقع“الخنادق” الإعلامي، كنموذج رئيسي يوضح كيف تكيف حزب الله ووسّع عملياته التأثيرية في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر ليستهدف المجتمع الإسرائيلي من الداخل عبر موقع باللغة العبرية.

حول الخنادق

تعرّف منصة "الخنادق"، والتي تنشط من لبنان، نفسها كـ"موقع تحليلي مستقل يركز على القضايا الجيوستراتيجية والعسكرية والأمنية في غرب آسيا". وتعمل المنصة عبر عدة قنوات، بما في ذلك موقع إلكتروني، وتلغرام، وقنوات على منصة X،  وحسابات مختلفة أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي (X وإنستغرام ويوتيوب) باللغات العربية والعبرية والإنجليزية.

تحتفظ "الخنادق" بموقع إلكتروني كامل باللغة العبرية يديره طاقم متكامل، وقد تم إطلاقه في بداية 2024، بالإضافة إلى قناة تلغرام نشطة ومنصات أخرى متخصصة للجمهور الناطق بالعبرية. يتيح هذا الحضور المزدوج للمنصة نشر الرسائل في الوقت الحقيقي، والاستجابة السريعة للتطورات داخل إسرائيل، وضمان انتشار محتواها مباشرة بين المستخدمين الإسرائيليين دون الاعتماد على الوسطاء.

وفي مقال أعلن فيه عن إطلاق الموقع العبري، قال مدير المنصة، الدكتور محمد شمص، إن الخطوة تُعد "انتقالًا إلى ساحة مواجهة أخرى، عبر مخاطبة المستوطنين في فلسطين المحتلة بلغتهم، بدقة في تناول الأخبار، وكشف ما تخفيه الرقابة الأمنية والعسكرية عن وسائل إعلامهم، من خلال ترجمة المحتوى الأصلي وإنتاج محتوى جديد باللغة العبرية".

ويستمر المقال قائلاً إن "الخنادق" ترى أن الوقت قد حان لبدء مرحلة جديدة، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم في الساحة الإعلامية". ويؤكد أن مخاطبة العدو بلغته ونقل المعركة إلى جبهته الداخلية هو أمر أساسي. وتم اختيار حرب "طوفان الأقصى" كتوقيت لإطلاق النسخة العبرية، ووُصف القرار بأنه لاقى ترحيبًا واسعًا، وتم تقديمه كتوقيت مثالي لتحقيق أهداف الموقع.

موقع الخنادق العبري

رغم أنه غير مُصنَّف رسميًا  من"إعلام حزب الله" كما هو الحال مع قناة "المنار"، إلا أن خطه التحريري، واسلوبه، ومحاوره الرئيسية تتماشى بوضوح مع سرديات حزب الله وإيران. وقد عبّر مديره، الدكتور محمد شمص، علنًا عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي عن دعمه لـ"المقاومة"، سواء من خلال المحتوى الذي يشاركه أو تعليقاته المؤيدة لها.

هذا النوع من العلامات غير الرسمية يمكّن حزب الله من التأثير على الخطاب الإسرائيلي دون أن يرتبط اسمه مباشرة بقنواته الرسمية مثل "المنار"، والتي سيرفضها الإسرائيليون فورًا.

ويُظهر حساب د. محمد شمص على X  مشاركته المستمرة لمحتوى رسمي من حزب الله، وتعبيره الواضح عن دعم موقف "المقاومة".

الجمهور المستهدف

من الجدير بالذكر أن ليس كل ما يُنشر بالعربية يترجم إلى العبرية، والعكس صحيح. هذه الانتقائية توضح كيفية تخصيص الطاقم الاعلامي لرسائله بشكل فعال لكل جمهور باسلوب ذكي ومدروس بدقة عالية. فعلى سبيل المثال:

- المنصات العربية تتضمن محتوى أكبر عن لبنان وحزب الله وتطورات المنطقة، مع إعادة نشر واسعة لمواد إعلامية حليفة.

- في المقابل، تركّز القناة العبرية بشكل شبه حصري على إسرائيل والمنطقةوالغرب

- أما الشق الإنجليزي، فيهدف إلى تشكيل الرأي الدولي، وتقديم حزب الله كطرف عقلاني، والقضية الفلسطينية كقضية عادلة، وإسرائيل كطرف معتدٍ.

هذا النمط من النشر الانتقائي يعكس استراتيجية ذكية ومتعمدة لتشكيل سرديات مخصصة لكل فئة مستهدفة، بحيث يحصل كل جمهور على الرسالة المصممة خصيصًا له، بدلًا من رسالة عامة واحدة للجميع.

الحملات الرئيسية التي تم رصدها في محتوى الخنادق العبري

يكشف تحليل محتوى "الخنادق" العبري منذ إطلاقه عن مجموعة ثابتة من الرسائل التي تهدف إلى تشكيل تصورات الإسرائيليين وتعزيز الرواية الاستراتيجية لمحور المقاومة. تعتمد هذه السرديات على الأخبار المحلية الإسرائيلية، والانقسامات الاجتماعية، والسجالات السياسية، لصياغة حملات تأثير موجَّهة.

الرسالة المركزية المشتركة في معظم المقالات هي أن إسرائيل والولايات المتحدة تنفذان سياسات تهدف بالكامل إلى الحفاظ على الهيمنة، وإنكار السيادة والاستقرار والتلاعب والقدرة على استهداف الطرفين العربي والفلسطيني. وتظهر هذه الفكرة بصور سياسية وعسكرية واجتماعية ودبلوماسية ونفسية.

وفيما يلي أبرز الحملات:

الولايات المتحدة كراعٍ إمبريالي يشكّل النظام العالمي لصالح إسرائيل

تركّز هذه الحملة على الادعاء بأن إسرائيل لم تعد دولة مستقلة، بل أصبحت وكيلًا يعمل لصالح الولايات المتحدة. وتصف المقالات إسرائيل بأنها:

_دولة "تعتمد اقتصاديًا ودبلوماسيًا على واشنطن"

_تفتقر للاستقلال الاستراتيجي

_أصبحت تحت إشراف مباشر بعد إقامة وجود عسكري أمريكي قرب غزة

تؤكد هذه السردية أن مصير إسرائيل يُحَدَّد في واشنطن – لا في القدس.
والهدف هو:

_إضعاف صورة الردع الإسرائيلي

_تقويض ثقة الجمهور بقرارات حكومته وسلخه من هويته

_إبراز الولايات المتحدة كطرف يصوغ النظام الدولي بما يخدم مصالحه ومصالح إسرائيل

إسرائيل تنهار من الداخل

يركز "الخنادق" على تضخيم الانقسامات الداخلية عبر:

_التوترات بين الجيش والحكومة

_الخلافات بين القيادات السياسية

_الهجرة إلى الخارج

_عدم المساواة الاجتماعية

_تراجع الثقة في المؤسسات

وتصف الأزمة الاقتصادية بأنها:

_ليست ظرفية بسبب الحرب

_بل انهيار بنيوي في قطاعات التكنولوجيا والعقارات والائتمان...

وتكرر هذه السردية أن إسرائيل غير قادرة على الحفاظ :

_بقاعدتها الضريبية

_بصمودها الاجتماعي

_بقوتها الابتكارية

وتتآكل "حتى لو حاولت الرقابة إخفاء التفاصيل".

الهدف هو تصوير إسرائيل كدولة غير مستقرة، مضطربة، غير واثقة من مستقبلها — الأمر الذي يضعف أسس قوتها.

فشل إسرائيل الاستراتيجي في الساحة العسكرية

يصوّر "الخنادق" حرب طوفان الأقصى" كنقطة تحول كشفت:

_ضعف القدرة الإسرائيلية على الحسم امام حماس او حزب الله

_محدودية فعالية الاغتيالات والعمليات الخاصة بسبب مرونة المقاومة

_محدودية الأثر الحقيقي للتفوق التكنولوجي في حسم المعركة

_تزايد عزلة إسرائيل الإقليمية والدولية بسبب الحرب ومخالفة القوانين الدولية

كما يقدم الخنادق إسرائيل كقوة:

_ "كبيرة"

_ لكنها "غير فعالة"

ويدعي أن إخفاق إسرائيل أضر بمسار التطبيع، وخاصة مع السعودية، مما يُعد مكسبًا لمحور المقاومة مقابل ضعف العمق الاستراتيجي لاسرائيل.

عقيدة إسرائيل الأمنية الجديدة تهديد إقليمي – والحل هو القوة لا التفاوض

يصوّر "الخنادق" العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة كتهديد مباشر:

_لاستقرار المنطقة

_وللأمن الجماعي العربي كله

ويدّعي أن:

_إسرائيل تستخدم المفاوضات كأداة ابتزاز

_لا تحترم القوانين الدولية ولا الاتفاقيات

_التفاوض معها فخ واي تفاوض لا معنى له

_القوة وحدها تغيّر المعادلات وليس التفاوض

_حزب الله يمثل قوة ردع تحمي لبنان والمنطقة كلها وليس مصالحه الخاصة

الاستنتاجات

يعمل الخنادق كأداة ضمن منظومة حرب التأثير التي يديرها حزب الله. وتتيح منصته العبرية:

_تجاوز وسائل الإعلام التقليدية

_الوصول المباشر للجمهور الإسرائيلي

_نشر رسائل ذات تأثير نفسي مبرمج ومدروس​

التحليل يكشف استراتيجية ذكية وواضحة: السرديات التي تُروّج لها المنصة العبرية تتوافق باستمرار مع رسائل محور المقاومة التقليدية لكنها بطريقة ناعمة وماكرة. ولا تُنتقى هذه الروايات للإعلام، بل لاستغلال التصدعات في المجتمع الإسرائيلي، ولتصوير إسرائيل كدولة في حالة تدهور وهذا شكل من اشكال حرب المعرفة.

أما بالنسبة لتأثير هذه البرامج على الجمهور الإسرائيلي، فمن الصعب تقييم تأثيرها الكامل بشكل دقيق، ولكن هناك شيء واحد واضح: هذه المواضيع لا تظهر فقط على موقع الخنادق، بل تتردد أصداؤها عبر مواقع اخرى تستفيد من هذه المقالات وتعيد نشرها. 

وفي نهاية المطاف، يعد التعرف على هذه الآليات أمراً ضرورياً لفهم ومواجهة كيفية استغلال هؤلاء الفاعلين للفضاء الإلكتروني وتكييف حملاتهم عبر البيئات اللغوية والثقافية والجيوسياسية.


المصدر: جامعة ريخمان - قسم الأمن السيبراني

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور